/ 18 سبتمبر 2020

للتواصل 00447432020200

فتاوى

حكم تكرار الجمعة في المسجد الواحد

ما هو حكم تكرار إقامة خطبة وصلاة الجمعة في المسجد الواحد، وقد كانت بعض المساجد في أوروبا تقوم بإقامة الجمعة على دفعتين بحجة ضيق المكان وكثرة المصلين، والآن مع الإجراءات الاحترازية بسبب وباء كورونا، ضاقت المساجد أكثر، وصارت لا تستوعب كثرة المصلين، فهل يجوز تكرار الجمعة في المسجد الواحد؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يبدو لي أن هذه البدعة ظهرت أول ما ظهرت لدى الجاليات الإسلامية في الغرب، وذلك من طرف بعض القائمين على المراكز الإسلامية ممن لا يرجعون إلى أهل العلم، ودوافعها كثيرة، منها ـ وهذا هو الغالب إن شاء الله ـ: قصد صالح في تيسير إقامة الجمعة لأكبر عدد من المسلمين. ومنها: التنافس بين المراكز، والحرص على عدم ذهاب بعض المصلين إلى مسجد آخر، وما في كثرة المصلين من فائدة جمع الأموال لتيسير أمور المسجد، حيث تعتمد أكثر المساجد على تبرعات المصلين.

ومهما تكن المقاصد والنيات، فإن هذا أمر منكر، لم يعرف في التاريخ الإسلامي كله، ولا سبيل إلى الترخص فيه بتخريجه على صور بعيدة لا تتفق في الماهية والعلة، مثل تعدد الجمعة في البلد الواحد، وتكرار الجماعة في الصلوات المفروضة، فكل هذه التخريجات من التعلق بخيوط العنكبوت. والحق الذي يجب التمسك به: هو أن الجمعة تقام في المسجد الواحد مرة واحدة فقط، والذين لم يدركوا الصلاة مع الإمام، يصلون الظهر أربع ركعات، سواء صلوها في المسجد نفسه جماعة، أو صلوها في بيوتهم أو أماكن عملهم. هذا الذي يجده الفقيه في كتب الفقه قاطبة، بلا خلافٍ، وهو الموافق لأصول الشريعة ومقاصدها.

وكذلك فإن عدم تكرار الجمعة من يسر الشريعة وسماحتها، فإن من فاتته صلاة الجمعة لعذر ـ سواء كان من قِبَله، أو من قبل المسجد مثل منع السلطات دخول المسجد إلا لعدد محدود من المصلين ـ يصلي الظهر أربعًا، ولا تثريب عليه، ولا يحتاج أن يشق على نفسه ولا على القائمين على المساجد بالمطالبة بتكرار إقامة الجمعة.

وكذلك فإن عدم التكرار من المحافظة على أحكام الشريعة، كما جاءت في وضعها الأول، من غير تغيير ولا تلاعب، فإن الترخص في هذا الأمر يفتح الباب للاجتهاد في الأحكام التعبدية والشرائع المحكمة، مما لا مجال فيها للاجتهاد والاستحسان.

وقد اطلعت على أقوال بعض المجيزين لهذا الأمر، فرأيتهم يعللون قولهم بالجواز بالحاجة ورفع الحرج والتيسير على المصلين. وهذا تعليل باطل، فإن الشريعة قد أبطلت هذه الحاجة، ورفعت الحرج، ويسرت على المسلمين؛ كل ذلك في حكمها القطعي الواضح في أن من لم يدرك الجمعة يصلي الظهر أربعًا.

إن أقدم فتوى في هذه المسألة ـ فيما اطلعت عليه ـ كانت للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، سنة (1399 / 1979)، وذلك أنه عرض عليها خطاب من مدير مكتب رابطة العالم الإسلامي في باريس، جاء فيه: (أن عددًا من المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة في باريس وفي المدن الأخرى قليل بالإضافة إلى ضيقها بالمصلين لكثرة عددهم. وحلًّا لهذه الأزمة التي تحرم كثيرًا من المصلين من أداء فريضة الجمعة في فرنسا، فقد اقترح أحدهم أن تتم صلاة الجمعة في المسجد الواحد على دفعتين، كل دفعة بإمام وخطيب مستقل، أي تقام صلاة الجمعة في الدفعة الأولى في وقتها ثم بعد انتهاء الخطبة والصلاة، يأتي إمام جديد ويخطب ويصلي الجمعة بالمصلين الذين قبلوا الانتظار والصلاة مع الدفعة الثانية، ويستفسر فيه عن حكم الشرع في هذا الحل الضروري).

فأجابت اللجنة الدائمة بما يلي: (إنشاء جمعتين في مسجد واحد غير جائزٍ شرعًا، ولا نعلم له أصلًا في دين الله، والأصل أن تقام جمعة واحدة في البلد الواحد، ولا تتعدد الجمع إلا لعذر شرعي؛ كبعد مسافة على بعض من تجب عليهم، أو يضيق المسجد الأول الذي تقام فيه عن استيعاب جميع المصلين، أو نحو ذلك مما يصلح مسوغًا لإقامة جمعة ثانية فعند ذلك يقام جمعة أخرى في مكان يتحقق بإقامتها فيه الغرض من تعددها، فعلى الإخوة السائلين أن يلتمسوا مكانًا آخر وسط من يأتون للمسجد المطلوب، وإعادة صلاة الجمعة فيه، ويقيموا فيه جمعة أخرى، حتى ولو لم يكن مسجدًا كالمساكن الخاصة وكالحدائق والميادين العامة التي تسمح الجهات المسؤولة عنها بإقامة الجمعة فيها). وصدرت هذه الفتوى عن العلماء الأجلاء عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان رحمهم الله تعالى (فتاوى اللجنة الدائمة: 8/262، رقم: 2369).

أقول: فهذه الفتوى النفيسة موافقة لأحكام الشريعة ومقاصدها، بعيدة عن التكلف والابتداع، فيها سماحة وتيسير، فينبغي عدم العدول عنها إلى قول آخر، وبالله تعالى التوفيق، له الحمد أولًا وآخرًا.

كتبه: عبد الحق التركماني

13 المحرم 1442