/ 18 سبتمبر 2020

للتواصل 00447432020200

راموز الأحاديث المخرَّجة

نص الحديث

قالت عائشة رضي الله عنها: لمَّا ابتليَ المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا قِبَلَ الحبشة، حتَّى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَادِ لقيه ابنُ الدَّغِنَةِ ـ وهو سيِّدُ القارَة([1]) ـ، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أَسيحَ في الأرض، فأعبُدَ ربِّيَ. قال ابن الدغنة: إنَّ مثلك لا يَخرجُ، ولا يُخرجُ، فإنَّك تَكْسِبُ المعدومَ، وتَصِلُ الرَّحمَ، وتحمل الكَلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتعين على نوائب الحقِّ، وأنا لك جارٌ، فارجع فاعبد ربَّك ببلادك. فارتحل ابنُ الدغنة، فرجع مع أبى بكرٍ، فطاف في أشراف كفار قريشٍ، فقال لهم: إنَّ أبا بكر لا يَخْرُجُ مثلُه، ولا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلَّ، ويَقري الضيفَ، ويعين علَى نوائب الحقِّ؟! فأنفذتْ قريش جوار ابن الدَّغنة، وأَمَّنُوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربَّه في داره، فليصلِّ وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنَّا قد خشينا أن يفتن أبناءَنا ونساءَنا! قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبدُ ربَّه في داره، ولا يستعلنُ بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناء داره، وبَرَزَ، فكان يصلِّي فيه، ويقرأ القرآنَ، فيتقصَّف عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفْزَعَ ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة فقَدِمَ عليهم، فقالوا له: إنَّا كنَّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربَّه في داره، وإنَّه جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأْتِهِ؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربَّه في داره فعل، وإن أبَى إلا أن يعلن ذلك فسَلْهُ أن يرد إليك ذمَّتك، فإنا كرهنا أن نُخْفِرَكَ، ولسنا مقرِّين لأبي بكر الاسْتعلانَ. قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإمَّا أن تقتصر على ذلك، وإما أن تردَّ إليَّ ذِمَّتِي، فإنِّي لا أحبُّ أن تسمع العربُ أنِّي أُخفرتُ في رجلٍ عقدتُ له. قال أبو بكر: إنِّي أردُّ إليك جواركَ، وأرضَى بجوار الله.


([1]) القارة: قبيلة موصوفة بجودة الرمي. وهم: بنو الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، سموا بذلك لأنهم في بعض حربهم لبني بكر صفوا في قارة، وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة. «عمدة القاري» للعَيْنيِّ (12/124).

تخريج الحديث

أخرجه أحمد في «المسند» (6/198 :25626)، والبخاري في «الصحيح» (2298 و3906)، وابن خزيمة في «الصحيح» (265)، وابن حبان في «الصحيح» (2677 و6868).

قال المهلَّبُ بنُ أبي صُفرة الأزديُّ (ت: 435/1044م) رحمه الله: «هذا الجوار كان معروفًا بين العرب، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب النبيَّ عليه السلام، ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعداء، ففي هذا من الفقه: أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم؛ أنه مباح له، وجائز؛ أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان مجيره كافرًا، إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه؛ فله ذلك، كما ردَّ أبو بكر الصديق على ابن الدغنة جواره، ورضي بجوار الله وجوار رسوله عليه السلام، وأبو بكر يومئذ من المستضعفين، فآثر الصبر على ما يناله من أذى المشركين محتسبًا على الله، وواثقًا به، فوفَّى الله له ما وثق به فيه، ولم ينله مكروه؛ حتى أذن الله لنبيه في الهجرة، فخرج أبو بكر معه ونجاهم الله تعالى، من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده تعالى من إظهار النبوة وإعلاء الدين، وكان لأبي بكر في ذلك من الفضل والسبق في نصرة نبيِّه وبذل نفسه وماله في ذلك ما لم يَخْفَ مكانُه، ولا جهل موضعه». نقله ابن بطَّال القرطبيُّ (ت: 449/1057) في «شرح صحيح البخاري» (6/430).