/ 24 أكتوبر 2020

للتواصل 00447432020200

راموز الأحاديث المخرَّجة

نص الحديث

قالتْ أمُّ سلمة: [لما ضاقتْ علينا مكَّةُ، وأُوذي أصحابُ رسول الله ﷺ، وفُتِنُوا، ورَأَوا ما يُصيبهم مِنَ البلاء والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منَعَةٍ مِن قَوْمِه، ومِنْ عمِّه، لا يصلُ إليه شيءٌ مِمَّا يَكْرَهُ مِمَّا ينالُ أصحابَه، فقال لهم رسولُ الله ﷺ: «إنَّ بأَرْضِ الحبَشَةِ مَلِكًا لا يُظلَمُ أحَدٌ عندَه، فالْحَقُوا ببلادِه، حتَّى يجعَلَ الله لكم فرَجًا ومخرَجًا مِمَّا أنتم فيه». فخَرَجنا إليها أَرْسالاً([1])، حتَّى اجتَمَعْنا بها]، فَلَمَّا نزَلَنا أرضَ الحبشة جاورنا بها خيرَ جارٍ: النجاشيَّ([2])، أَمِنَّا على ديننا، [ولم نَخشَ منه ظُلمًا]، وعبَدْنا الله لا نُؤْذَى، ولا نسمع شيئًا نكرَهُهُ، فلمَّا بلَغَ ذلك قريشًا، ائْتَمَرُوا أنْ يبعثوا إلى النجاشيِّ فينا رجلَيْن جَلْدَيْن([3])، وأن يُهْدُوا للنجاشيِّ هدايا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ([4]) من متاع مكَّةَ، وكان مِن أَعْجَبِ ما يأْتِيه منها إليه الأَدَمُ([5])، فجَمَعُوا له أَدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا مِن بطارقته بِطْريقًا([6]) إِلا أهدَوا له هديةً، ثُمَّ بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميِّ وعمرو بن العاص بن وائل السهميِّ، وأَمَرُوهُما أَمْرَهُم، وقالوا لهما: ادفعَا إلى كلِّ بِطْريقٍ هديَّتَه قبل أن تُكلِّموا النجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا للنجاشيِّ هداياه، ثم سَلُوه أن يُسْلِمَهُم إليكم قبل أَنْ يُكلِّمَهم.

قالتْ: فخرجَا، فقَدِمَا على النجاشيِّ، ونحن عنده بخيرِ دارٍ، وعند خَيرِ جارٍ، فلم يبقَ مِن بَطَارقته بِطْريقٌ إلا دفعَا إليه هديَّتَه، قبل أنْ يكلِّما النجاشيَّ، ثم قالا لكلِّ بِطْريقٍ منهم: إنَّه قد صَبَأَ إلى بَلَدِ المَلِكِ([7]) مِنَّا غِلْمانٌ سفهاءُ، فارقوا دِينَ قومِهِم، ولم يدخلوا في دِينكم، وجاؤُوا بدينٍ مُبتَدَعٍ لا نعرِفُهُ نحنُ ولا أَنتم، وقد بَعَثَنَا إلى المَلِك فيهم أشرافُ قومِهم، لنردَّهم إليهم، فإذا كلَّمنا المَلِكَ فيهم؛  فأَشِيرُوا عليه بأَنْ يُسلِمَهم إلينا، ولا يُكلِّمَهم، فإنَّ قومَهم أعلَى بهم عَيْنًا([8])، وأَعلمُ بما عابُوا عليهم. فقالوا لهما: نعم.

ثُمَّ إنَّهما قرَّبَا هداياهم إلى النجاشيِّ، فقبِلَها منهما، ثم كلَّماه، فقالا له: أَيُّها الملكُ! إنَّه قد صَبَأَ إلى بلدك منَّا غلمانٌ سفهاءُ، فارقوا دِينَ قومِهم، ولم يدخلوا في دِينكَ، وجاؤُوا بدينٍ مُبتَدَعٍ، لا نعرِفُه نحنُ ولا أنتَ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومِهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتَرُدَّهُم إليهم، فَهُمْ أعلَى بهم عينًا، وأعلَمُ بما عابوا عليهم وعاتَبُوهُم فيه.

قالت: ولم يكن شيءٌ أبغضَ إلى عبد الله بن أبي ربيعةَ وعمرو بن العاص من أَنْ يَسْمَعَ النجاشيُّ كلامَهم، فقالت بَطَارقَتُه حولَه: صَدَقوا أيُّها الملكُ! قومُهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأَسْلِمْهُم إليهما، فلْيَرُدَّاهم إلى بلادهم وقومهم.

قالتْ: فغضب النجاشيُّ، ثم قال: لا ها أَيْمُ الله إِذَنْ([9])، لا أُسْلِمُهم إليهما، ولا أُكَاُدُ قومًا جاوَرُوني([10])، ونزلُوا بلادِي، واخْتَارُونِي على مَن سِوايَ، حتَّى أَدْعُوهُم فأسأَلَهم ما يقولُ هذان في أَمرهم، فإنْ كانوا كما يقولان؛ أسْلَمْتُهم إليهما، وردَدْتُهم إلى قومِهم، وإِنْ كانوا على غير ذلكَ؛ منَعْتُهم منهما، وأَحسَنْتُ جوارهم، ما جاوَرُونِي.

قالتْ: ثُمَّ أَرسلَ إلى أصحابِ رسول الله ﷺ فدَعاهُم، فلما جاءَهم رسولُه اجتَمَعُوا، ثُمَّ قال بعضهم لبعضٍ: ما تقولونَ للرَّجُل إذا جِئْتُمُوه؟ قالوا: نقولُ واللهِ ما عَلِمْنا، وما أمرنا به نبيُّنا ﷺ، كائنٌ في ذلك ما هو كائنٌ. فلما جاؤُوهُ ـ وقد دعا النجاشيُّ أساقِفَته([11])، فنشرُوا مصاحِفَهم حولَه ـ سأَلَهم فقال: ما هذا الدِّين الذي فارَقْتُم فيه قومَكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دِين أحدٍ من هذه الأُمَم؟

قالتْ: فكان الذي كلَّمَه جعفرُ بن أبي طالبٍ، فقال له: أيُّها الملكُ! كنَّا قومًا أهلَ جاهليَّةٍ: نعبدُ الأصنامَ، ونأكلُ الميتةَ، ونأْتِي الفواحشَ، ونقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ، يأكُلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حتَّى بعث الله إلينا رسولاً مِنَّا، نَعْرِفُ نسَبَه، وصِدْقَه، وأَمانَتَه، وعَفَافَه، فدَعَانا إلى الله لنوحِّدَه ونَعْبُدَه، ونَخْلَع ما كُنَّا نَعْبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دونِه من الحجارة والأوثان.

وأمَرَنَا بصدق الحديث، وأداءِ الأمانة، وصلة الرَّحِمِ، وحُسْن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدِّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكل مال اليتيم، وقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ.

وأمرنا أَنْ نعبُدَ الله وحْدَه، ولا نشركَ به شيئًا، وأمرَنا بالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام ـ قالتْ: فعَدَّد عليه أُمورَ الإسلامِ. ـ فصدَّقْناهُ، وآمنَّا به، واتَّبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحْدَه، فلم نُشركْ به شيئًا، وحرَّمْنا ما حرَّمَ علينا، وأَحْلَلْنا ما أحلَّ لنا، فَعَدَا علينا قومُنا، فعَذَّبُونا، وفَتَنُونا عن ديننا، ليَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأنْ نستَحِلَّ ما كنَّا نَسْتَحِلُّ من الخبائث، فلمَّا قهَرُونا وظَلَمُونا، وشَقُّوا علينا، وحالُوا بيْنَنَا وبين دِيننا؛ خرَجْنا إلى بلدكَ، واخترناكَ على مَنْ سواكَ، ورَغِبْنَا في جواركَ، ورَجَوْنا أن لا نُظْلَم عندكَ أيُّها الملكُ!

قالتْ: فقال له النجاشيُّ: هل معك مِمَّا جاء به عن الله من شيءٍ؟ قالتْ: فقال له جعفرٌ: نعم. فقال له النجاشيُّ: فاقْرَأْه عليَّ. فقرأ عليه صَدْرًا من {كهيعص}([12]). قالتْ: فبَكَى ـ واللهِ! ـ النجاشيُّ حتَّى أَخْضَلَ([13]) لحيتَهُ، وبكت أساقِفَتُه حتَّى أخْضَلُوا مصاحِفَهُم حين سَمِعُوا ما تلا عليهم. ثُمَّ قال النجاشيُّ: إنَّ هذا ـ واللهِ! ـ والذي جاءَ به مُوسَى ليَخْرُجُ من مِشْكاةٍ واحدةٍ، انْطَلِقَا، فواللهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبدًا، ولا أُكادُ([14]).

قالتْ أُمُّ سَلَمة: فلمَّا خرجَا من عنده، قال عمرو بن العاص: واللهِ لأُنبِّأَنَّهُ غدًا عَيْبَهم عنده، ثم أستَأْصِلُ به خَضْراءَهُم([15]). قالت: فقال له عبدُ الله بن أبي رَبيعة ـ وكان أتقَى الرَّجلين فينا ـ: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرَنَّه أنَّهم يزعمون أنَّ عيسى ابنَ مريم عبْدٌ.

قالت: ثم غَدَا عليه الغَدَ، فقال له: أيُّها الملكُ! إنَّهم يقولونَ في عيسى ابنِ مريم قولاً عظيمًا، فأَرسِلْ إليهم فاسْأَلْهم عمَّا يقولون فيه. قالت: فأَرسَلَ إليهم يسأَلُهم عنه ـ قالتْ: ولم ينْزِلْ بنَا مثله ـ فاجتمَعَ القومَ، فقال بعضهم لبعضٍ: ماذا تقولون في عيسَى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول ـ واللهِ! ـ فيه ما قالَ الله، وما جاء به نبيُّنا، كائنًا في ذلك ما هو كائنٌ. فلمَّا دخلوا عليه قالَ لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفرُ بن أبي طالبٍ: نقول فيه الذي جاء به نبيُّنا هو عبدُ الله ورسولُه ورُوحُه وكلِمَتُه ألقاها إلى مَرْيَمَ العَذْراءِ البَتُولِ.

قالتْ: فضربَ النَّجاشيُّ يدَهُ إلى الأرض فأَخَذَ منها عُودًا، ثم قال: ما عَدَا عيسى ابنُ مريم ما قُلْتَ هذا العُودَ. فتناخَرَتْ([16]) بطارِقَتُه حولَه حين قالَ ما قالَ، فقال: وإِنْ نَخِرْتُم، واللهِ! اذْهَبُوا، فأَنْتم سُيُومٌ بأَرْضِي ـ والسُّيُومُ: الآمِنُون([17]) ـ مَنْ سَبَّكُم غُرِّمَ، ثُمَّ من سبَّكم غُرِّم، ثم من سبَّكم غُرِّم، فما أُحبُّ أَنَّ ليَ دَبْرًا ذهَبًا؛ وأَنِّي آذَيتُ رجلاً منكم ـ والدَّبْرُ بلسان الحبشَةِ: الجَبَلُ ـ رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجةَ لنا بها، فواللهِ ما أخَذَ الله منِّيَ الرَّشوةَ حين ردَّ عليَّ مُلْكِيَ؛ فآخُذَ الرَّشوةَ فيه، وما أَطاعَ النَّاسَ فِيَّ فأُطيعَهُم فيه.

قالتْ: فخَرَجَا مِن عنده مقبُوحَيْن، مردُودًا عليهما ما جاءَا به، وأقمنا عنده بخيرِ دارٍ، مع خيرِ جارٍ.([18])

قالتْ: فواللهِ إنَّا على ذلك إذ نَزَل به ـ يعني: من ينازِعُه في ملكه([19]) ـ. قالتْ: فوالله ما علمنا حُزْنًا قطُّ كان أشدَّ مِن حُزْنٍ حزَنَّاه عند ذلك، تخَوُّفًا أنْ يظْهَرَ ذلك على النَّجاشيِّ، فيأتيَ رجلٌ لا يَعرِفُ مِن حَقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يعرفُ منه.

قالتْ: وسار النَّجاشيُّ، وبينهما عَرْضُ النِّيلِ. فقال أصحابُ رسولِ الله ﷺ: مَنْ رجُلٌ يخرجُ حتى يحضُرَ وقْعَةَ القوم، ثم يأْتِينَا بالخَبَرِ؟ فقال الزُّبير بن العوام: أنَا. قالت: وكان من أحدث القوم سِنًّا، فنفَخُوا له قِرْبةً فجعَلَها في صدرِه، ثم سَبَحَ عليها، حتَّى خرج إلى ناحيةِ النِّيل التي بها مُلتقَى القوم، ثم انطلق حتَّى حضَرَهم.

 قالت: ودَعَوْنا الله للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عدُوِّه، والتَّمكينِ له في بلادِه، [فهزَمَ الله ذلك الملكَ وقَتَلَه، وظهرَ النجاشيُّ عليه]، واسْتَوسَقَ([20]) عليه أمرُ الحبشةِ، [فجاءَنا الزُّبيرُ، فجَعَلَ يُلَيِّحُ إلينا بردائِه، ويقولُ: ألا أَبشروا، فقد أظهَرَ الله النجاشيَّ. فوالله ما علمنا فرَحَنَا بشيءٍ قطُّ فرَحَنَا بظهور النجاشيِّ]، فكُنَّا عنده في خيرِ منْزِلٍ، حتَّى قَدِمْنا على رسولِ الله ﷺ وهو بمكَّةَ. وفي روايةٍ: ثمَّ أقمنَا عندَهُ حتَّى خرَجَ منَّا من خرجَ راجعًا إلى مكَّة، وأَقامَ مَن أَقامَ.


([1]) الأَرسال: جمع رَسَل، وهي الأفواجُ، والفِرَقُ المتقطعة التي يتبع بعضها بعضًا. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (مادة: رسل).

([2]) النَّجاشيُّ: هو لقب ملك الحبشة، واسمه: أَصْحَمةُ بن أَبْجَر. وهو الذي آوى المهاجرين إليه، وأسلم على أيديهم، كما سيأتي في آخر هذا المبحث.

([3]) أي: قويَّين شديدَين.

([4]) أي: يُستحسنُ.

([5]) الأَدَمُ: جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، أو الأحمر منه.

([6]) البِطْريق: هو الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم، ويكون من خواصِّ الدولة. «لسان العرب» (مادة: بطرق).

([7]) «صَبَأَ: إذا خرج من دينٍ إلى دينٍ، والمراد هاهنا: الخروج مطلقًا، أو من الدين، و«إلى» متعلقة بمقدَّر، أي: متوجهين إلى بلد الملك». قاله السِّنديُّ في «حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل» (2/210 :977)، ومنه نقلتُ أكثر التعليقات على هذا الحديث.

([8]) أي: نظرًا. أي: نظرهم يكفي عن نظرك.

([9]) قال السِّنديُّ: «كلمةُ: «لا» للنفي، أي: ليس الأمر كما ذكرتم، و«ها» حرف تنبيه، و«أيم الله» للقسم، و«إذَنْ» بمعنى: إذا جاؤوا بلادي، ودخلوا فيها». وفي «سير ابن إسحاق»: «لا، لَعَمرُ الله لا أردُّهم عليهم حتَّى..».

([10]) قال السِّنديُّ: «ولا أكاد» خبره محذوف، أي: أُسلمهم. وقال أحمد محمد شاكر في شرح «المسند» (3/184): «ولا أُكادُ: بضم الهمزة، فعل مبنيٌّ للمجهول، أي: ولا يكيدني أحدٌ، ففي «لسان العرب» (مادة: كيد): «يقولون إِذا حُمِلَ أَحدُهُمْ على ما يَكْرهُ: لا والله ولا كَيْدًا ولا هَمًّا. يريد: لا أُكَادُ ولا أُهَمُّ». وضبط الفعلان فيه بوزن المبني للمجهول، وهذا هو الصواب عندي، خلافًا لضبطهما في «القاموس المحيط». والمراد أنه يقول: إنه لا يُسْلِمُهم أبدًا، ولا يهمُّه من ذلك شيءٌ، ولا يخشى أن يلقى فيه كيدًا. وهذا استعمال نادرٌ، لم أجد مثله في غير هذا الموضع».

([11]) جمع «الأَسقُف» وهو العالم والرئيس من علماء النَّصارى. «لسان العرب» (مادة: سقف).

([12]) وهي سورة مريم (19)، وفي أولها قصَّة مريم وولادة المسيح عليهما السلام، الآيات: (1-40).

([13]) أي: بَلَّ.

([14]) وفي «سيرة ابن إسحاق»: «قال: إنَّ هذا الكلامَ ليخرجُ من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدينَ، لا والله لا أردُّهم عليكم، ولا أُنعمكم عينًا». وكذلك هو في أكثر المصادر، فما وقع في بعضها من ذكر «عيسى» مكان «موسى» تحريف.

قال السِّنديُّ رحمه الله: «لم يقل: عيسى، مع أنه نبيُّهم؛ لما فيه من خلاف اليهود، بخلاف موسى، فلم يختلف أحد من الطوائف المعلومة في نبوَّته».

([15]) «أستأصل» أي: أُخرج من الأصل «خضراءهم» أي: جماعتهم.

([16]) من «نَخَر»: إذا مدَّ الصوت في خياشيمه.

([17]) عند ابن إسحاق وابن هشام وغيرهما في الموضعين: «شيوم» بالشين. وقال السِّندي: ضبط بضمِّ سين مهملة، وبضمِّ مثناة تحتية.

([18]) وفي رواية ابن راهويه: «قالتْ أم سلمة: فجعلنا نتعرَّضُ لعمرو بن العاص وصاحبه أن يسبَّانا؛ فيغرِّمهما، فخرجا خائبين،..».

وممَّا يحسن ذكره هنا أنَّ هذين الرجلين أسلما بعدُ، فأمَّا عمرُو بن العاصِ فإنَّه لمَّا رأى ازدياد قوة المسلمين وظهور أمرهم، خرج إلى النجاشيِّ على أمل أن يجد هناك أرضًا آمنةً إن تغلَّبَ المسلمون على مكَّة، فنصحه النجاشيُّ بأن يُسلمَ، فأسلمَ عمرو على يده، ورجع إلى مكة، وهاجر إلى رسول الله ﷺ مسلمًا في أوائل سنة ثمان من الهجرة (629م) قبل فتح مكَّة، وحسُنَ إسلامُه، وقرَّبَه رسول الله ﷺ، وشهد له بالإيمان والصلاح، وكان من كبار الصحابة وعظمائهم، وكان أمير جيش المسلمين في فتح مصر، وسكنها، ومات بها سنة (43/664م) رضي الله عنه.

أما عبد الله بن أبي ربيعة فأسلم عند فتح مكة، وحسن إسلامه، وولاه رسول الله ﷺ الجَنَدَ ـ بلدٌ باليمن بين عَدَن وتَعْز ـ ومخاليفها، فبقي فيها إلى أيَّام فتنة الخروج على الخليفة الراشد عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، فجاء لينصره، فوقع عن راحلته، فمات بقرب مكَّة، سنة (35/656) رضي الله عنه.

يُراجع ترجمتهما في: «تهذيب الكمال» (14/492، و22/78)، و«تاريخ الإسلام» (2/256، و425).

([19]) عند ابن إسحاق: «فلم ينشب أن خرج عليه رجلٌ من الحبشة ينازعه في ملكه».

([20]) أي: اجتمع. عطفٌ على «دعونا».

تخريج الحديث

 أخرجه محمد بن إسحاق في «السِّير والمغازي» ص 213؛ قال: حدَّثَني محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهريُّ، عن أبي بكرٍ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة بنت أبي أُميَّة بن المغيرة زوج رسول الله ﷺ، به. ونقله ابن هشام في «السيرة النبويَّة» (1/334).

وأخرجه أحمد في «المسند» (1/201 :1740) و5/290 :22498)، وابن خُزيمة في «الصحيح» (2260)، وأبو نُعيم في «دلائل النبوة» (194)، وفي «حِلية الأولياء» (1/115)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (9/9)، وفي «دلائل النبوة» 2(/301)، وابن عبد البر في «الدُّرر في المغازي والسِّير» (ص 134)، من طرقٍ عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد، به. والسياق للإمام أحمد، وما بين المعقوفين هكذا [...] فمن «السير والمغازي» ومن غيره، والرواية المذكورة للجملة الأخيرة هي عند ابن إسحاق وغيره، وهي رواية مفسِّرة، لأنَّ أم سلمة وزوجها في آخرين رجعوا إلى مكَّة، وبقي أكثرهم هناك إلى أن عادوا جميعًا إلى المدينة حين افتتح المسلمون خيبر في السنة السابعة للهجرة (628م).

وأخرجه إسحاق بن راهويه في «المسند» (1835)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (423)، وفي «الاعتقاد» ص 46، وفي «شعب الإيمان» (82)، من طريق: جرير بن حازمٍ، عن ابن إسحاق، قال حدثني الزهريُّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، وعن عُروة بن الزُّبير ـ وصُلبُ الحديث عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ـ عن أم سلمة، به.

وإسناد الحديث جيِّدٌ كما قال الحافظ العراقيُّ رحمه الله في «المغني عن حمل الأسفار» (2097)، والعلامة الألبانيُّ رحمه الله في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (3190).

وقال الحافظ الهيثمي رحمه الله في «مجمع الزوائد» 6/24 (9842): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح غير ابن إسحاق، وقد صرَّح بالسَّماع».

وقال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله في تحقيق «المسند» (3/180): «إسناده صحيح، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة: تابعيٌّ كبيرٌ، وهو أحد الفقهاء السبعة المعروفين، وكان ثقةً فقيهًا عالمًا من سادات قريش».

وساق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث واحتجَّ به في «الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح» (1/243)، وقال: «وقد ذكر قصَّتهم جماعة من العلماء والحفاظ كأحمد بن حنبل في المسند، وابن سعد في الطبقات، وأبي نعيم في الحلية، وغيرهم، وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه، وهي متواترة عند العلماء».