موقع الشيخ عبد الحق التركماني - الموقف الشرعي من أخذ لقاح مرض كورونا

/ 24 نوفمبر 2020

للتواصل 00447432020200

الموقف الشرعي من أخذ لقاح مرض كورونا

/ 27 نوفمبر 2020

السؤال :

إذا ظهر لقاح أو علاج جديد لمرض كورونا فهل يلزم المريض أخذه؟ وإذا رفض المسلم أخذ العلاج لعدم ثقته في الجهات الصانعة للدواء فهل يكون مخالفًا للمنهج الشرعي؟

الجواب :

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

ها هنا مسألتان مختلفتان: الأولى: أخذ الدواء، والثانية: أخذ اللقاح. فالدواء يؤخذ من مرض موجود فعلًا، أما اللقاح فيؤخذ لمنع حصول المرض، وهذا يكون عادة في الفيروسات والأمراض المعدية.

أما أخذ الدواء: فهو مشروع، فقد أرشد إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأمر به، فقال: (كل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل) أخرجه مسلم. وقال: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بالحرام). أخرجه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم: (تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحد)، قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: (الهرم). أخرجه الترمذي.

وقد حمل أكثر العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم هذا الأمر على الإباحة والإرشاد لا على الوجوب، فقالوا: التداوي مستحب ومشروع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (التداوي ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعيِّ وأحمد). وقال النوويُّ رحمه الله: (استحباب الدواء: مذهب أصحابنا [الشافعية] وجمهور السلف وعامة الخلف. وفيها رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي).

فيتبيَّن بهذا أنه إذا ترك المسلمُ التداوي فقد ترك أمرًا مستحبًّا لا واجبًا، إلا في حالة واحدة: وهو غلبة الظنِّ القوي أو وجود اليقين بأن ترك الدواء المعيَّن من قبل الطبيب سيضره ضررًا بالغًا بتلف عضوٍ من أعضائه، أو يكون سببًا في موته، فالصحيح في هذه الحالة: أنَّ أخذ الدواء واجب عليه، وأنه إذا لم يأخذ الدواء حتى مات، فهو آثم. وأوضح مثال على ذلك: حصول جرح شديد تسبب في نزيف الدم، فإن لم يتم إيقاف النزيف يموت. ففي هذه الحالة يجب عليه الامتثال لأمر الطبيب، ويطرح الشك والوساوس جانبًا. وقد صرَّح بعض علماء الشافعية بوجوب التداوي في هذه الحالة، وكذلك قال بالوجوب: علماء مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع بجدة 1412هـ. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: (فالمقصود أن التداوي أمر مشروع على الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم ومن تركه فلا حرج عليه، وإذا ظن نفعه واشتدت الحاجة إليه تأكد؛ لأن تركه يضر). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (التداوي على أقسام: فإذا غلب على الظن نفع الدواء مع احتمال الهلاك بتركه فالتداوي واجب. وإن غلب على الظن نفع الدواء، ولكن ليس هناك احتمال للهلاك بترك الدواء، فالتداوي أفضل. وإن تساوى الأمران فترك التداوي أفضل).

إذا نظرنا الآن في أدوية كورونا فلا تخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث:

  • ما لا يعرف فائدة أخذه أو عدم أخذه، فهذا ينبغي الابتعاد عنه. وهذا ينطبق على ما ينشر في مواقع الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا يعرف له مصدر علمي موثوق.
  • ما يغلب على الظنِّ نفع الدواء، لكن لا يترتب على تركه الهلاك، فهذا الأفضل استعماله، ومن تركه فقد فعل مرجوحًا، لا محرَّمًا. وهذا ينطبق على الأدوية الجديدة لمرض كورونا التي لم يتم التأكد تمامًا من نجاعتها وفائدتها.
  • ما يغلب على الظن الهلاك بتركه، فهذا يجب استعماله، ومن تركه فهو آثم. وهذا ينطبق على الحالات الشديدة من الإصابة بكورونا، حيث يقوم الأطباء باستعمال أجهزة التنفس الصناعي للمريض، وإعطائه المضادات الحيوية، واستخدام الأدوية التي يغلب على ظنهم أنها تساعد في مقاومة المرض.

وهاهنا مسألة مهمة جدًّا، وهي: أن كورونا من الفيروسات المعدية، لهذا فإن من أصيب بهذا المرض، ولم يأخذ الدواء، فالواجب عليه أن يعزل نفسه عن الآخرين، حتى لا يعديهم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار).

أما اللقاح، ويقال: التلقيح أو التطعيم Vaccination، فحكمه حكم التداوي، وقد أفتى بجواز استعماله عامة الفقهاء في هذا العصر منهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.

وأقسام اللقاحات كذلك مثل أقسام الدواء:

  1. فهناك لقاحات قد تأكدت منفعتها الكبيرة في الوقاية من الأمراض بإذن الله تعالى، مثل لقاحات شلل الأطفال والسل والملاريا وغيرها، فمثل هذه اللقاحات استعملها ملايين الناس خلال المئة السنة الأخيرة، وظهر بيقينٍ فائدتها في الوقاية من كثير من الأمراض والأوبئة. فهذا القسم أقل ما يقال فيه: أن استعماله مشروع ومستحب. والذي يظهر لي من عموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتداوي، وبأخذ الأسباب للوقاية من الأمراض المعدية، أن استعمال هذا القسم واجب، ومن تركه فهو آثم. فإذا كانت هذه التطعيمات متيسرة للأب، ومنع إعطاءها لأولاده، فقد قصَّر في حقِّهم وأساء.

وهنا يقال نفس الكلام بالنسبة للقاح ضد كورونا: إذا ظهر هذا اللقاح، واعتمد من الجهات الرسمية، وتأكدت فائدته وظهرت، وشاع ذلك بين الناس، فأخذه مشروع ومندوب إليه، لما لهذا الفيروس من ضرر شديد على الشخص نفسه، وعلى من يخالطه من أهل بيته ومجتمعه. وهل يرقى هذا الحكم إلى درجة الوجوب؟ هذا يحتاج إلى تأمل ونظر، والله أعلم.

لكن ظهور هذا اللقاح بهذه الصفة ـ أعني التأكد من مفعوله ومنفعته وخلوه من الأضرار والمخاطر ـ يحتاج إلى وقت طويل، حتى تتحقق التجارب وتظهر النتائج ويتأكد الأمر. وإلى الآن لا يوجد شيء من هذا القبيل.  

  1. أما إن كان اللقاح في طور التجربة، فإن غلب على الظن عدم وجود ضرر من أخذه؛ فيجوز أخذه. ومن امتنع عن أخذه فلا لوم عليه. كما أنه لا يجوز تجربة اللقاح على مريض إلا بموافقته وإذنه.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

كتبه

عبد الحق التركماني

15 شعبان 1441هـ الموافق 8 نيسان 2020م