موقع الشيخ عبد الحق التركماني - رد شبهة حول بعض أحكام المواريث: حرمان أبناء الابن المتوفَّى من ميراث جدهم

/ 26 نوفمبر 2020

للتواصل 00447432020200

رد شبهة حول بعض أحكام المواريث: حرمان أبناء الابن المتوفَّى من ميراث جدهم

/ 3 مارس 2012

السؤال :

فضيلة الشيخ المُكَرّم،

أحدُهم يزعُم - جهلًا أو ضلالًا- بأنّ في دين الإسلام الحنيف أخطاءً - وحاشى وكلا -، فحين نُوقِشَ فقيل له: هاتِ أرِنا.. قال: “لماذا لم يحدد الله تعالى نصيبًا للابن الميت من ميراث أبيه إذا توفي الولد في حياة والده؟!“، قال له مناقِشوه: “هناك الوصيّة الواجبة“، فلم يقنَعْ.. ما جوابُكم حفظكم الله؟

راجينَ أن تتكرّموا فتفصّلوا وتسهبوا - ولو قليلًا -، مع مراعاة التّسهيل والتّفهيم -بالتّمثيل مثلًا، واختيار المصطلحات السهلة الواضحة -؛ ليفهم الجواب مَن لم يدرس الفروضَ، وليستفيد الجميع.. دمتم في رعاية الله وحفظه..

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أما بعد: فحول سؤالكم عن شبهة حرمان أولاد الابن من ميراث جدهم إذا مات أبوهم في حياة والده، ورغبتكم في بسط الجواب بأوضح عبارة، أقول وبالله التوفيق:

1ـ إننا لم نعرف ربنا عزَّ وجلَّ ونبينا صلى الله عليه وسلم، ولم نؤمن ونتبع الحقَّ والهدى لأجل أحكام المواريث، ولا لأنه تبين لنا أنها أحكام صحيحة وفيها الحق والعدل. بل العكس هو الصحيح: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولًا صلى الله عليه وسلم لأن الأدلة والبراهين الشرعية والكونية، الفطرية والعقلية، ودلائل القرآن القطعية التفصيلية في وجوب توحيد الله والإيمان به والإقرار بأسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ هي التي دلت على ذلك دلالة قطعية لا شكَّ فيها ولا شبهة... فعلما بعد ذلك أن كل ما أمر الله به وشرعه لعباده فهو حق وخير وصواب وعدل، لأنه صادر عمَّن عرفنا بتلك الدلائل القطعية علمه وعدله وحكمته ورحمته وغير ذلك من صفاته التي كلها حق محض، وخير محض، وإلا لم يكن ربًّا ولا خالقًا ولا مستحقًّا للحمد والثناء والعبادة، سبحانه وتعالى... فمن الجهل العظيم، والخطأ الشنيع قلب الأمور، بحيث يبحث عن صحة الأصل من خلال النظر في أمر جزئي متفرع عنه.

وتوضيح هذا: أن أحكام المواريث يقبل بها المسلمون ويخضعون لها، ويبحثون عن أحكامها حتى في البلاد التي لا تنفذ أحكام الشريعة، فيرجعون إلى المشايخ وأئمة المساجد للسؤال عنها؛ لسبب واحد: وهو أنهم رضوا بالله وبرسوله ودينه وشرعه. لهذا تجد من انسلخ من الإسلام لا يعبأ بتلك الأحكام الشرعية، وحق له ذلك، فما قيمة الفرع بعد ذهاب الأصل.

وتوضيح آخر من الواقع العملي: إذ أصيب الإنسان بمرض عضال يبحث عن الطبيب العالم الثقة الناصح، فيسأل عن شهاداته وخبراته وتجارب الناس معه، فإذا اطمأنَّ ووضع ثقته فيه؛ يُسلم إليه نفسَه، ويلتزم بأمره وتوجيهه. فإذا قال له الطبيب: لا بدَّ أن أبتر ساقك بسبب السرطان! يقول له المريض: سمعًا وطاعةً، اقطع ساقي، وسأدفع لك كل ما تريد من المال، وجزاك الله خيرًا، فلولا علمك ونصحك لانتشر السرطان في جسدي كلَّه!

ونحن نجد من يذهب إلى طبيب لا يعرفه ولا يثق به، ويكون مرضه يسيرًا جدًّا، مثل شيء من الحمى، فيصف له الطبيب العلاج، فيخرج المريض وهو يسب الطبيب ويأبى أن يأخذ الدواء الذي وصفه الطبيب.

فإذا كنت على ثقة بطبيبك ويقين تام بعلمه وإخلاصه؛ فإن أمره ببتر ساقك لن ينقص من ثقتك وتسليمك له، بل لا تزداد إلا ثقة وتسليمًا إذا كنت ممن يفكر في عواقب الأمور، ويدرك مخاطر التفريط في العلاج.

وإذا لم تكن على ثقة بطبيبك؛ فإن اهتمامه بك، ووصفه لأصناف الأدوية لك، ولو في مرض يسير؛ لا يزيدك إلا شكًّا فيه، ونقمة عليه.

2ـ المسلم الحقُّ هو من آمن بالله عز وجل، وصدق بنبيه صلى الله عليه وسلم، واطمأنَّ قلبه لدينه وشرعه، لهذا فلا تزيده هذه الأحكام التفصيلية الجزئية إلا إيمانًا ويقينًا، وهو لا ينظر إليها نظر الناقد والمدقق، ولا الشاك المرتاب، بل نظر المستسلم الخاضع، لأنه يراها فروعًا للأصل العظيم الذي يعتقده ويؤمن به، كما تقدم شرحه. قال ربنا سبحانه: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}.

3ـ ورغم ذلك كلِّه، فلا مانع من النظر في حكمة التشريع، من باب التدبر والتفكر، لا الشك والاعتراض، فلا شكَّ أن كل ما شرعه الله تعالى ففيه الحكمة والعدل والخير والحق. وفي خصوص هذه المسألة: فإن أحكام الميراث متوافقة مع مجموع الأحكام الشرعية التي تبني الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، فلا بد أن تفهم في هذا الإطار، فإن الأب إذا مات وترك أيتامًا فعلى أقربائه ـ الأقرب فالأقرب منهم ـ القيام عليهم بالإنفاق والرعاية. وقد تتزوج أمهم فيضم الزوج أبناءها إلى أسرته، أو تقوم الأم بترك حضانتهم لمن يستحقونها، وهكذا فإن أولاد الولد تتغير حالهم بمجرد فقد الوالد، وتتغير مصادر معيشتهم، وحصول أعمامهم على الميراث، ثم قيامهم بالإنفاق عليهم ورعايتهم إذا لزم ذلك؛ خير لهم من ذهاب حصتهم ليد زوج أمهم، ولا يُدرَى كيف يقوم بحقهم. فإن كانوا كبارًا راشدين حال وفاة جدهم؛ فأعمامهم أولى منهم وأحق، لأنهم أكبر منهم سنًّا، ويغلب عليهم تعسُّر أسباب الكسب، أم الأحفاد فهم بالنسبة لأعمامهم أصغر سنًّا، وفي الغالب في سن الشباب والأشد، ففرصتهم في السعي وطلب الرزق أكبر مما لأعمامهم.

هذا مجرد نظرة عاجلة في حكمة التشريع، مع ضعف عقولنا، وقلة إدراكنا، وضحالة علمنا، لكنا نقول: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولاً صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

كتبه: عبد الحق التركماني

(ربيع الثاني: 1433هـ)