موقع الشيخ عبد الحق التركماني - حكم الاتفاق مع بائع الشاة على شراء لحم الأضحية بعد الذبح؟

/ 8 ديسمبر 2021

للتواصل 00447432020200

حكم الاتفاق مع بائع الشاة على شراء لحم الأضحية بعد الذبح؟

/ 17 يوليو 2021

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخنا العزيز حفظكم الله ورعاكم واستعملكم في طاعته ...

عندنا هنا في العراق بيع قد استحدث في شراء لحوم الأضاحي وصورته:

(أن تتفق مع البائع على سعر الكيلو غرام من اللحم في الذبيحة، ثم يتم ذبحها من قبل القصاب، ثم توزن ثم يعطي المشتري ثمن الذبيحة الكلي للبائع، ولم يكن قد امتلكها قبل الذبح).

١) هل هذه الصورة في شراء لحم الأضحية يجزئ أم لا؟ 

٢) إن كانت هذه الصورة تجوز في البيع فهل تجوز في شراء الأضحية؟

٣) ما هو المقصد الشرعي من ذبح الأضحية؟

أفتونا مأجورين جزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم ...

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هذا العمل غير جائز، والذبيحة غير مجزئة عن الأضحية، فهذا الذبح للحم لا للعبادة، وبيانه:

أولًا: يجب أن نعلم أن الأضحية عبادة مستقلة مثل سائر العبادات، فهي كالصلاة والصيام، يشترط فيها الفعلُ بقصد التعبد لله تعالى، وتشترط فيها النية والإخلاص لله تعالى، كما يشترط فيها التقيد بالصفة التي وضعها الشارع لهذه العبادة الجليلة المقرونة بالصلاة في قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ ‌صَلَاتِي ‌وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)} [سورة الأنعام]، وقوله سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ ‌وَانْحَرْ (٢)} [سورة الكوثر].

ومما يؤسف له أن هذا المعنى قد غاب ـ أو ضعف ـ في أذهان كثير من المسلمين، فلا ينظرون إلى (الأضحية) بهذا المنظار، بل يرون أنها صدقة كسائر الصدقات، وأن المقصود منها الفرح بالعيد، أو إطعام الفقراء. والحقيقة أن هذه المعاني هي من ثمار وفوائد إقامة عبودية الذبح لله تعالى، فهذه العبودية هي المقصودة لذاتها ابتداءً وأصالةً.

ثانيًا: إذا علمنا ما سبق؛ فيجب أن نعلم أيضًا أن «عبادة الأضحية» هي التقرب إلى الله تعالى بإنهار دم البهيمة من الإبل والبقر والغنم. فصورتها ذبح الحيوان الذي يملكه الإنسان. هذا المقصود الأصلي، أما اللحم والانتفاع به؛ فتبعٌ لذلك.

قال أبو بكر الهذلي: كان الناسُ في الجاهلية إذا ذبحوا لَطَّخوا بالدماء وجه الكعبة، وشَرَّجُوا اللحوم، فوضعوها على الحجارة، وقالوا: لا يحِلُّ لنا نأكل شيئًا جعلناه لله عز وجل حتى تأكله السباع والطير. فلما جاء الإسلام جاء الناسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: شيئًا كُنَّا نصنعه في الجاهلية، ألا نصنعه الآن؟ فإنما هو لله عزَّ وجل. فأنزل الله عز وجل: ‌‌‌‌{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)} [سورة الحج]. (سيرة ابن إسحاق: 78).

وفعل أهل الجاهلية قد يكون من بدعهم، وقد يكون مما بقي عندهم من الشرائع السابقة، وقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة، ووسع عليها، فأجاز الله تعالى لمن قدَّم قربانًا أن يأكل منه ويُطعم غيره، وإلا فإن الأصل في القربان أن يحرم الأكل منه مطلقًا، لكن أذن الله تعالى لنا فضلًا منه ورحمةً وإحسانًا.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «كان أَصلُ ما أُخرج لله عزَّ وجل معقولًا أن لا ‌يعود إلى مالكه منه شيءٌ؛ إلا ما أذِنَ الله عز وجل فيه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فاقتصرنا على ما أذن الله عز وجل فيه، ثم رسوله [يعني الأكل]، ومنعنا البيعَ على أصل النسك أنه ممنوع من البيع».

ثم إن هذا الأمر في الآية: {فَكُلُوا مِنْهَا} أمر استحباب لا وجوب عند جماهير العلماء.

قال الإمام مجاهد بن جبر رحمه الله: هي رخصة، إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل؛ بمنزلة قوله: {وَإِذَا ‌حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ‌فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10].

وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: «وهذا الأمر من الله جلّ ثناؤه أمر إباحة لا أمر إيجاب، وذلك أنه لا خلاف بين جميع الحُجة أن ذابح هديه أو بدنته هنالك إن لم يأكل من هديه أو بدنته، أنه لم يضيع له فرضًا كان واجبًا عليه، فكان معلومًا بذلك أنه غير واجب».

وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: «وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية».

من هنا أقول:

إنه يشرع للمسلم أن يضحي وإن كان يعلم أنه لن يأكل منها، لمرضٍ به، أو لعادته في عدم أكل اللحم.

ويشرع له ـ أيضًا ـ أن يضحي وإن علم أنه ليس في حضرته من سيأكل منها.

ويشرع له ـ أيضًا ـ أن يضحي وإن كان يعلم أنه لن يأكل من لحمها أحدٌ، ولن يستطيع ادخاره، وأنه سيفسد ويُلقى للسباع.

ذلك لأن المقصود متحقق بنفس الفعل، وهو إنهار الدم تعظيمًا لله تعالى.

وقد أخبرني أحد المشايخ أن أحد مشايخه أخبره: أنهم كانوا قبل أكثر من خمسين سنة يذبحون الهدي في منى، ثم يأخذونها مباشرة إلى مكان مخصص لحرقها، ذلك لعدم من يأخذ اللحم، وعدم إمكانية ادخارها.

ثالثًا: إذا علمنا ما تقدَّم في (أولًا) و(ثانيًا)؛ فيجب أن نعلم أن شراء لحم الأضحية بعد ذبحها؛ منافٍ منافاةٍ كلية لمراد الله تعالى من شعيرة الأضحية، ومناف ـ أيضًا ـ لما يجب أن يكون عليه مراد المسلم في أداء هذه الشعيرة، من قصد التقرب لله تعالى بإنهار دم الحيوان تعظيمًا لله وإجلالًا له، بحب لخالقه وذل له، وقصدِ بذل المال لله تعالى بسخاء نفسٍ إيمانًا واحتسابًا. أما المحاسبة على اللحم بالكيلو؛ فهذا من شح النفس، وبعدها عن استحضار معنى العبودية لله تعالى، وتعلقها بالمادة، ونظرها إلى المنفعة العاجلة لا إلى الثواب الآجل.

 ومراعاة هذا الأمر أهم وأولى من مراعاة النقطة التالية وهي:

رابعًا: أن من شرط الأضحية تملك المضحي للحيوان تملكًا صحيحًا، وما ذكر في السؤال ليس تملكًا، بل وعدٌ بشراء اللحم، والمضحي في الحقيقة هو المالك الأصلي، ثم يبيع اللحم لمن يزعم أنه قصد الأضحية. فهاهنا مخالفتان:

الأولى: أن ينوي الأضحية بما لا يملك. ولا تجزئ الأضحية بما لا يملك.

والثانية: أن يشتري لحم الأضحية. وبيع لحم الأضحية وشراؤه حرامٌ.

خامسًا: بهذا التفصيل يتبين الفرق بين حكم شراء لحم ما ذبح لله وما ذبح لمجرد الأكل، فالذبح للحم مجاله واسع، والأصل في العادات والمعاملات الحل والإباحة، بخلاف العبادات فالأصل فيها الحظر والمنع إلا بإذن الشارع كما تقدم في كلام الإمام الشافعي. فلا وجه للمقارنة والمقايسة إطلاقًا.

تكميل:

1- قولي: (من شرط الأضحية تملك المضحي للحيوان تملكًا صحيحًا)، يشمل أي وجه من وجوه التملك الصحيح شرعًا، حتى لو كان بالدَّين أو التقسيط أو شراء الحيوان الحي بالوزن عند من يرى جواز ذلك، بل حتى لو تم الاتفاق على تحديد الثمن لاحقًا على قول بعض الفقهاء، فلا معنى لاحتجاج بعضهم في تجويز هذه الصورة «بجواز تأخير الثمن في الأضحية»، فليس هذا موضع الخلاف، إنما الخلاف في تحقق التملك التامِّ للأضحية قبل الذبح.

2- من أقوى الوجوه الدالة على عدم ثبوت ملكية المضحي للحيوان الذي سيذبحه بالاتفاق المذكور في السؤال؛ هو النظر في حال هلاك الشاة بعد حصول هذا الاتفاق، فمن هو الضامن في هذه الحال: إن كان المالك الأصلي؛ فهذا صريح أن المضحي لم يتملك الشاة. وإن كان الضمان على المضحي فكيف يتم حساب الثمن؛ والحال أن الحيوان قد هلك ولا يمكن حساب وزن لحمه الصافي. وإن كان الضمان بالتدافع بينهما ـ سواء اتفقوا أو اختلفوا ـ فهذا صريح في عدم تحقق الملكية للمضحي.

3- ومن أقوى الوجوه ـ أيضًا ـ في بطلان هذه المعاملة؛ أن من أهم شروط الأضحية أن تكون البهيمة تامَّة الخِلْقة، كما أخرج أبو داود عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي». فهذه أربعة عيوب أجمع العلماء على أن الأضحية لا تجزئ مع وجود واحدٍ منها. فكيف والحال في الصورة المسؤول عنها: أن المضحي لا يشتري من أضحيته إلا اللحم الخالص، فلا يتملك أصلًا الجلد ولا (المعدة والمصارين والكرش والرأس والأرجل وأجزاء من الشحوم والعظام)، لأن هذه كلها لا تحسب في وزن اللحم الصافي، فتبقى في ملكية البائع الأصلي، سواء تصرف فيها أو رماها أو أهداها لمشتري اللحم. فهذا أسوأ من الأضحية ببهيمة فيها كل العيوب التي نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم إجزائها.

4- هذه المسألة حادثة، لهذا لم أجد لعلماء العصر كالشيخ ابن باز والعثيمين والألباني رحمهم الله واللجنة الدائمة كلامًا فيها، وكلَّفتُ ثلاثةً من طلاب العلم للبحث فيها، فلم يجدوا فيها ـ بعد البحث الشديد ـ كلامًا لأهل العلم، إلا ما يلي:

1- فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (3434) في (3/1/2004)، ونصها: «لا مانع شرعًا من شراء الأضحية عن طريق الوزن ودفع ثمنها على حسب عدد الكيلوجرامات قبل ذبحها، ولا مانع أيضًا من دفع أجرة الميزان». فهذا صريح في اشتراط إتمام الشراء قبل الذبح.

2- فتوى لجنة الإفتاء في دار الإفتاء الأردنية رقم (3507)، في (2/6/2019)، ونص السؤال والجواب: «السؤال: هل يجوز الاتفاق مع اللحام على شراء لحم هذه الذبيحة بعد ذبحها، كأن يشتري لحم هذه البقرة مثلاً بثمن ما تزن من لحم بعد ذبحها، على أن سعر الكيلو جرام من اللحم متفق عليه بين المتبايعين بثمن معين كعشرين مثلاً، ثم لو فرضنا صحة هذه المعاملة، فما حكم استعمالها في شراء الأضحية؟ الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. لا يجوز بيع الشاة وغيرها من الأنعام على هذه الطريقة المذكورة في السؤال، كل كيلو لحم منها بعد الذبح بكذا؛ وذلك لأن اللحم منها قبل الذبح غير مشاهد، فيؤدي إلى وقوع الجهالة والغرر، وهما من مفسدات البيوع. لكن من الممكن أن يصدر من المشتري وعد بأن يشتري لحم الذبيحة بعد ذبحها كل كيلو بكذا، ويتم البيع عند وزن اللحم، حيث يُعلم حينها مقدار المبيع، وكذلك الثمن، وهذا لا مانع منه شرعاً. وقد اشترط الفقهاء لصحة البيع أن يكون البدلان مشاهدين، يقول الخطيب الشربيني رحمه الله: "يصح بيع الصبرة المجهولة الصيعان للمتعاقدين (كل صاع بدرهم)، وإنما صح هذا البيع؛ لأن المبيع مشاهد، ولا يضر الجهل بجملة الثمن؛ لأنه معلوم بالتفصيل والغرر مرتفع به" [مغني المحتاج 2/ 355]. أما الأضحية والعقيقة والدم المنذور، فلا بد من تمام ملكها قبل ذبحها، ولا يصح أن تُذبح على ملك اللحام، فتشترى حية ثم يتم ذبحها بنية الأضحية ونحوها. والله تعالى أعلم».

3- وجاء في فتاوى (إسلام ويب)، رقم (116544)، بتاريخ 4 المحرم 1430: «وأما إذا كان المراد أنه يشتريها بالوزن بعد ذبحها وسلخها فهذا لا يجوز؛ لأنه إن كان اشترى الأضحية قبل ذبحها دون تعيين الثمن فهذا العقد باطل، لأن العلم بالثمن من شروط صحة البيع، وأما إن كان لم يشترها إلا بعد الذبح فهذا أيضًا لا يجوز لأنها حين ذبحها لم تكن مملوكة له فلا تجزيء أضحية عنه. وأما بيع الأضحية بالوزن والذي جوزناه في الفتوى رقم: 14080 فمرادنا به أن يزنها حية ثم يشتريها بالوزن».

4- وبعث لي أحد الأفاضل فتوى للأخ الشيخ الدكتور ضياء الدين عبد الله الصالح ـ عضو المجمع الفقهي العراقي ـ قال فيها: «وكذلك اتفق الفقهاء على عدم صحة شراء لحم الحيوان بعد الذبح بنيَّة الأضحية بالاتفاق مع القصاب، لأن الأضحية والعقيقة والدم المنذور لا بدَّ من تملُّكها قبل ذبحها، ولا يصح أن تُذبح وهي ما زالت في مِلْك القصاب، فيجب أن تُشترى حيَّةً ثم يتم ذبحها بنيَّة الأضحية ونحوها. وأما شراء الحيوان وزنًا قبل الذبح ففيه خلاف، والراجح الجواز من غير غش، فقد قال به أكثر أهل العلم».

أقول: قوله: «اتفق الفقهاء»؛ هذا من استنتاج وفهم الشيخ، فلا أظنه منصوصًا عليه في كتب الفقهاء، وهو استنتاج قويم، وفهم صحيح، فالجزم به وجيه، وهو مطلوب في هذا المقام لردع المسلمين عن هذه المعاملة الحادثة التي تفسد عليهم عبادةً مهمةً من عباداتهم.

والله المستعان وعليه التكلان.

تكميل ثانٍ:

نظرًا لغرابة هذه المسألة وجِدَتها، أرسلت بحثي أعلاه إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي، فكتب إلي يقول: «لا يجزئ كما ذكر فضيلتكم».

وأرسلته أيضًا إلى فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح العبيلان، فكتب إليَّ بقوله: «لا يصح، قال تعالى: ﴿لَن يَنالَ اللَّهَ لُحومُها وَلا دِماؤُها وَلكِن يَنالُهُ التَّقوى مِنكُم﴾».

قال عبد الحق التركماني: استدلال الشيخ بالآية لطيف جدًّا، فليس المقصود من الأضحية اللحم، ولا معنى لشرائه، وإنما التقوى بتعظيم الله بإنهار دم الحيوان الحي التام الخلقة، وهذا ما أردت التأكيد عليه في بحثي أعلاه، والحمد لله رب العالمين.

 

كتبه

عبد الحق التركماني

السبت 7 ذو الحجة 1442 الموافق 17 تموز 2021