موقع الشيخ عبد الحق التركماني - حرية الرأي والإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

/ 8 ديسمبر 2021

للتواصل 00447432020200

حرية الرأي والإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

/ 5 أغسطس 2021

السؤال :

حكم الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر الإعلام والاذاعات والاتصالات؟ وما حكم ما ذهب إليه بعض المفكرين المنتسبين إلى الإسلام أن هذا من الحرية الفكرية التي لا يجوز تقييدها في هذا العصر؟

الجواب :

هذه المسألة فيها تفصيل، فلا بدَّ من التفريق بين أمرين مهمين، بينهما اختلاف وتمايز، وإن كانا مرتبطين بالمسألة ارتباطًا وثيقًا:

الأمر الأول يتعلق بالعقيدة الإسلامية: حكم سب الله عز وجل أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الاستهزاء بالله تعالى أو برسوله صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن ودين الإسلام والشريعة الإسلامية، وحكم جعل شيء مما ذكرنا مادة للسخرية والاستخفاف.

فبخصوص هذا الأمر: يجب على كل مسلم أن يَعلمَ، وأن يعتقد؛ بأن جميع صور السب والاستهزاء والسخرية والاستخفاف بالله تعالى أو برسوله أو بكتابه أو بدينه وشرعه؛ هو من الضلال المبين، والكفر البواح الذي لا تأويل فيه ولا عذر، وفاعله مرتدٌّ خارج من دائرة الإسلام. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ‌قُلْ ‌أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)} [سورة التوبة]، وقال سبحانه: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا ‌هُزُوًا (٥٦)} [سورة الكهف]، وقال عزَّ وجلَّ: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي ‌هُزُوًا (١٠٦)} [سورة الكهف].

هذا القَدْر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بل هو معلوم بالضرورة عند جميع العقلاء؛ فإنهم يتفقون جميعًا على أن الأصل في العقائد والأديان التعظيم والإجلال والاحترام، وأن السب والاستهزاء والسخرية ينافي هذا الأصل منافاة تامَّة. لهذا نجد أن اليهوديَّ يعظم عقيدته ودينه وشريعته ولا يقبل إطلاقًا أي صورة من صور الاستهزاء أو الاستخفاف بها، وهكذا النصراني، بل هكذا البوذي والهندوسي والسيخي وجميع عبَّاد الأصنام والأوثان، يعتقدون أن الأصل الأعظم لدينهم هو التعظيم والإجلال والاحترام لمعتقداتهم ومقدساتهم. ولا نعرف على وجه الأرض من يرضى أن يُتَّخَذَ دينه وعقيدته مادةً للاستهزاء والسخرية إلا إن كان ملحدًا أو منسلخًا من الدين والقيم والأخلاق.

بل هكذا الحال ـ أيضًا ـ بالنسبة للرموز الفكرية والدنيوية التي لا صلة لها بدين أصلًا، مثل القيادات الفكرية والسياسية المعظَّمة عند أتباعها، وكثير من دول العالم تنص قوانينها على أن إهانة الزعيم المؤسس أو رئيس الدولة أو العلم أو الرموز القومية والوطنية يستوجب العقوبة.

وقد نقلت وكالات الأنباء بتاريخ 28/7/2021 أن الرئيس الفرنسي ماكرون ـ الذي عُرف بدفاعه عن نشر الصور المسيئة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ـ قد رفع قضية ضدَّ شركة إعلانات نشرت في بعض شوارع باريس ملصقًا يشبِّه ماكرون بالزعيم النازي هيتلر بسبب إلزامه مواطنيه بلقاح كورونا، وجاءت الشرطة إلى الرسام لإخباره بشكوى الرئيس ضدَّه.

فهذا ماكرون الذي أيَّد إهانة نحو ملياري إنسان مسلم على وجه الأرض في معتقدهم، بدعوى «حرية التعبير»، قد صادر هذه الحرية، وطاردها بالشرطة والقضاء، فكيف بتصوير أعظم رجلٍ عرفته البشرية: خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في صور بشعةٍ مهينةٍ، لا يقصد بها إلا الإهانة والاحتقار.

فمن قال: إن هذا من الحرية الشخصية التي يجب إطلاقها، ولا يجوز تقييدها؛ فهو كافرٌ كفرًا مخرجًا من الإسلام، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.

ومِنْ تناقض صاحب هذا القول: أنه لا يقبل شيئًا من الاستهزاء والإهانة والسخرية بشخصه أو زوجته أو آبائه أو أبنائه أو عشيرته أو وطنه وبلده، ويسارع إلى الاعتراض والاحتجاج، ويرفع القضايا في المحاكم ضدَّ من يرتكب شيئًا من ذلك في حقِّه، ويطالب بعقوبته أشد العقوبة، ويطالب بالتعويض ورد الاعتبار؛ فإذا جاء الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذه حرية شخصية».

الأمر الثاني يتعلق بالسياسة الشرعية: كيف يكون ردُّ المسلمين على الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر الإعلام والإذاعات والاتصالات، خاصة إن كان ذلك من الكفار الأصليين، وفي بلادهم، ومن منابرهم الإعلامية، سواء كانت رسمية أو غير رسمية.

أقول: إن الردَّ يكون حسب السياسة الشرعية في هذا المقام، فينظر إلى القدرة والاستطاعة، وإلى المآلات، والمصالح والمفاسد، وقد شرح هذه القاعدة الشرعية شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم: «الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم» طبعة محيي الدين: 217-225، وطبعة دار رمادي 2/405-419.

وتقدير هذه الأمور موكول إلى أولي الأمر من الحكام والعلماء، فيجب عليهم القيام بما يبرأ ذمتهم أمام الله تعالى، وليس لآحاد المسلمين الافتئات عليهم، ولا يجوز لأفرادهم أو جماعاتهم فعل ما هو من اختصاص أهل السلطة والقوة، ويجب على المسلمين الأخذ على يد من يتهور في ذلك، ويرتكب حماقات تعود على المسلمين بالضرر والفساد الأكبر.

أما ما يرتكبه بعضُ حمقى المسلمين وسفهائهم من الاعتداء على الناس في الشوارع بالسكاكين، أو اقتحام الكنائس والمباني العامة، أو التفجير، أو إهلاك النفس بعملية انتحارية يخسر بها الدنيا والآخرة؛ فكل هذه الأعمال محرمة لذاتها، وفاعلها ضال مضل، مفسد في الأرض، وإن زعم أنه يغضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينتصر لدينه، فإن النية الصالحة (لو افترضنا وجودها) لا تصلح العمل الفاسد، ولا يسوِّغ البغي والعدوان والفساد في الأرض.

ثم نذكر هنا ـ أيضًا ـ أن مثل هذه الأعمال لا تزيد أولئك المسيئين إلا عنادًا واستكبارًا، ولا تزيد مجتمعاتهم إلا انحيازًا ضد الإسلام والمسلمين، فهي تجلب للمسلمين السمعة السيئة، وتضعف حجتهم، وتثير حملات إعلامية سيئة ضدهم. وهذه هي ـ في الحقيقة ـ أهداف تلك الصور المسيئة المستفزة.

والله المستعان وعليه التكلان.