موقع الشيخ عبد الحق التركماني - حكم أخذ القرض الدراسي الربوي في بريطانيا

/ 19 يونيو 2024

للتواصل 00447432020200

حكم أخذ القرض الدراسي الربوي في بريطانيا

/ 9 يونيو 2024

السؤال :

ما هو حكم أخذ القرض الدراسي للدراسة في بريطانيا، وهو قرض يشتمل على شرط الربا؟

الجواب :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

هذه المسألة من المشكلات العامة التي تتعلق بواقع الجالية المسلمة في بريطانيا، وكذلك في سائر الدول الأوروبية، ودول الغرب مثل الولايات المتحدة وكندا وغيرها، لهذا يتكرر السؤال عنها، لعموم البلوى فيها، والحاجة الشديدة والعامة لأجيال المسلمين إلى التعليم الجامعي، وإلا فإنهم سيتعرضون إلى صعوبات كبيرة في حياتهم، تلازمهم طول عمرهم.

ولأهمية هذا الموضوع كثرت الدراسات والبحوث والفتاوى حول حكم أخذ القرض الدراسي الربوي، ويمكن للباحث أن يطلع على كثيرٍ منها في مواقع الشبكة العالمية، وليس غرضي هنا البحث في هذه المسألة، لكنِّي أقدِّم هنا خلاصةً موجزةً للرأي الذي أرجحه وأفتي به من خلال الجمل التالية:

1- أن الربا من المحرمات القطعية في الإسلام، والتعامل به من كبائر الذنوب، فيجب على المسلم اعتقاد تحريم جميع صوره وأنواعه، وتجنبه والبعد عنه.

2- أن القرض الدراسي في بريطانيا مشتمل على شرط الربا الصريح في نصِّ العقد. والقول بأنه ليس من الربا أصلًا، أو أنه مباح للحاجة مطلقًا؛ ليس من أقوال أهل العلم والفقه والاستقامة في الدِّين.  

3- أن الواجب على الطالب المسلم تجنب أخذ هذا القرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، سواء بالتوفيق بين العمل والدراسة، أو الاستقراض من الأهل والمعارف أو المؤسسات الخيرية، كما يجوز له الأخذ من أموال الزكاة سواء لدفع رسوم الجامعة أو للمعيشة.

ثم إن الطالب المسلم يتجنَّب هذا القرض الربوي ديانةً، ويعلم أن هناك كثيرًا من غير المسلمين يتجنبونه أيضًا، والطالب المسلم أولى منهم بهذا.

4- إن استنفذ الطالب المسلم كل السبل لتجنب هذا القرض الربوي، ولم يجد له بديلًا، فيجوز له الترخص في أخذه حتى يتمكن من الالتحاق بالدراسة الجامعية بمراحلها المختلفة. وهو على نوعين: قرض الرسوم الجامعية، وقرض تكاليف المعيشة. فإن استطاع الاكتفاء بالأول، والاستغناء عن الثاني؛ فهذا الواجب عليه، وإن احتاج إلى الثاني فلا بأس أن يترخَّص في أخذه أيضًا.

5- ووجه الترخص في الدخول في هذا العقد الربوي: أن الدراسة الجامعية في هذا العصر من الضرورات لمن لم يجد بديلًا.

ثم إن هذا القرض هو من صندوق التمويل الدراسي الذي وضعته الحكومة، وهي التي تقوم على تنظيمه وتوفير الأموال اللازمة له، لهذا فهو لا يشبه القروضَ الربوية من البنوك والمؤسسات التجارية.

ومن صور هذا الفرق أن التقديم على هذا القرض يكون من موقع الحكومة الرسمي، وهي التي تقوم بتسديد الرسوم الجامعية إلى حساب الجامعة مباشرة، ولا تُلزم الطالب بتسديد القرض إلا إن حصل على عمل براتب مناسب، وتسقط المطالبة به بعد ثلاثين سنة أو بلوغ سن التقاعد، وغير ذلك من الشروط التي تختص بها القرض الدراسي.

فهذا القرض ـ في حقيقته ـ إنما هو مساعدة مالية من الحكومة للطلاب الجامعيين، فهو من حقوق المواطنين والمقيمين، مثل سائر المساعدات التي تقدمها الحكومة للمواطنين والمقيمين في التعليم والصحة والسكن ومختلف الخدمات الاجتماعية. لكنها جعلت هذه المساعدة على صورة قرض وأضافت إليه شرط الربا، حتى يكون الطلاب أكثر جدية في صرف هذه الأموال.

والواجب على المسلم أن ينظر إلى ظاهر العقود المالية التي يوقع عليها ويلتزم بها، لهذا يجب عليه أن يتجنب هذا العقد ما أمكنه ذلك، لكن إن لم يجد عنه بديلًا؛ جاز له الترخص بقدر الضرورة. والضرورة هنا هو الدراسة الجامعية في بلدٍ قامت الحكومة بتنظيم العلاقة بين الطلاب والجامعة بهذه الطريقة. لهذا فهذه المعاملة مثل سائر المعاملات والعقود الحكومية التي يضطر المواطن والمقيم إلى الدخول فيها وإن لم يكون موافقًا عليها، ومن أمثلتها الضرائب والتأمين الإلزامي وغير ذلك من المعاملات التي تلزم بها الحكومةُ المواطنين والمقيمين، فيكون من الظلم الواقع عليهم، دون رضاهم واختيارهم.

فهذا التفصيل يقوِّي وجه الترخُّص في أخذ القرض الدراسي عند الاضطرار إليه، وإن كان هذا الاضطرار لا يبلغ حدَّ الضرورة الملجئة في الحال. فإن الضرورات تتفاوت في درجاتها أيضًا. وحدُّ الضرورة ـ كما قال الفقهاء ـ: الخوف من هلاك نفسٍ، أو تلف عضوٍ من أعضاء الإنسان أو فوات الانتفاع به؛ إما بيقينٍ أو بظنٍّ قويٍّ غالبٍ.

وبهذا يُعلم الفرق بين القرض الدراسي الحكومي وبين أخذ القروض الربوية من البنوك والمؤسسات التجارية ـ سواء كانت لشراء بيت أو لأي غرض آخر ـ فإنها محرمةٌ قطعًا، ولا يمكن الترخُّص فيها إلا للضرورة الملجئة.

وما ذكرته في هذه الفتوى يستوي فيه الإخوة والأخوات.

وبالله تعالى التوفيق.

 

كتبه: عبد الحق التركماني

الاثنين 26 ذو القعدة 1445، الموافق: 3 حزيران 2024