/ 24 أكتوبر 2020

للتواصل 00447432020200

المراد الأهم من العبادات بين الطاعة وجمع الحسنات

نشرت بواسطة : إدارة الموقع التاريخ غير محدد 96

الرد على كلمة:

(المراد الأهم ليس جمع الحسنات)

للشيخ عُبيد بن سالم العمري

الشيخ عبد الحق التركماني

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فإن الداعية والخطيب والواعظ قد يطلق كلامًا ويتوسع فيه ـ بحسن نية وجميل قصد ـ لكن دون أن يتنبَّه على ما يترتَّب على كلامه من نتائج خطيرة، أو لوازم فاسدة، أو أثر غير محمود في المتلقِّين عنه، وأظن أن هذا هو الذي حصل مع كلمة انتشرت بين كثير من الناس عنوانها: «المراد الأهم ليس جمع الحسنات»، وهي كلمة مقتطعة من محاضرة للشيخ الدكتور عُبيد بن سالم العمري حفظه الله تعالى ووفقه، حيث فهم منها بعض الإخوة التهوين أو الاستخفاف بالعبادات والأعمال الظاهرة، فسألوني التَّعليق عليها، وكثرت الأسئلة حول هذه الكلمة فأحببت إجابتهم بهذه الكلمة لتحرير القول في هذه المسألة المهمة، وستكون طويلة! وطالب العلم لا بد أن يصبر على العلم، فليس المقصود مما ننشره الدعاية أو التأثير الإعلامي بمقاطع دقيقتين وثلاث دقائق.

قال الشيخ وفقه الله:

الذي لا بد أن نعلمه أن المراد ليس جمع الحسنات وإنما المراد نتائج الأعمال على القلوب، ولذلك يقول العلماء: إن أعمال القلوب أهم من أعمال الجوارح، أعمال القلوب: الخشية، والخوف، والإنابة، والانكسار بين يدي الله، والتوبة، والإخلاص، وتعظيم الله والإقبال على الرب والتوبة، هذه مقدمة على أن أصلي 11 ركعة في التراويح، أو 23 ركعة، وأني آخذ عمرة في رمضان، وأني أجلس إلى الإشراق، هذه أعمال مهمة، وهي وسائل، لكن ليست هي المراد، هي وسائل، المراد الوصول إلى القلب، وأن الإنسان يجتهد على قلبه.

أقول: هذا الكلام فيه إشكال كبير من جهة جعل العبادات وسائل، وجعل أعمال القلوب هي المقصودة.

نحن عندنا هنا ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أعمال القلوب من النية والإخلاص والمحبة والخوف والرجاء والتعظيم.

والأمر الثاني: العمل نفسه.

والأمر الثالث: الآثار والنتائج المترتبة على الإتيان بهذا العمل.

فلا بد أن نعرف لكل أمرٍ من هذه الأمور الثلاثة مرتبته ومنزلته وما يستحقه، فلا شكَّ أن الأمر الأول: ـ أي: النية وأعمال القلوب ـ مقدَّم على الجميع، سواء من جهة الأهمية أو من جهة الوقت والأسبقية، فالنيةُ والإخلاصُ شرطٌ لا بد أن يسبق العمل ثم يصاحبه حتى نهايته. فجعل أعمال القلوب هي المراد من العمل خطأ من هذه الجهة، لأنها في الحقيقة سابقة على العمل ومصاحبة للعمل، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».

أما الأمر الثاني: ـ وهو العمل نفسه ـ فهو مقصودٌ لذاته ومرادٌ كما سأبينه ـ إن شاء الله تعالى وهذا هو المقصود من هذه الكلمة ـ، ومثل هذا الأسلوب يفهم منه نوع تهوين أو استخفاف بالعمل الظاهر.

وسنأتي على الأمر الثالث ـ إن شاء الله تعالى ـ.

ثم قال الشيخ وفقه الله:

ولذلك لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: أي الأعمال أفضل؟ ماذا قال؟ طبعًا ابن تيمية ليس مشرع، وليس مثل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يقول للناس أي الأعمال أفضل ـ لكن أجاب بإجابة نموذجية تكتب بماء الذهب ولا بد أن يتنبه إليها ـ أي الأعمال أفضل؟ قال شيخ الإسلام هو العمل الذي تجد فيه قلبك. هذا هو أفضل الأعمال بالنسبة لك أنت، لأن المراد ليس كثرت الأعمال وإنما المراد قلبك يتأثر من ماذا فاجتهد في هذا العمل لإصلاح قلبك، قلبك كيف يأتي به الخوف والاستعداد للموت، والخشية من الله عزَّ وجلَّ، ومراقبة الله عزَّ وجلَّ في السر والعلانية، ماذا هو العمل الذي يصلح قلبك. ليس المراد كثرة الأعمال.

أقول: هذا الإطلاقُ غير صحيح، وهو يفتح باب الوسوسة والقلق على عباد الله الذين يجتهدون في الإتيان بعباداتهم وأعمالهم الصالحة وفق ما شرعه الله تعالى، ثم إنهم بسبب مثل هذا الكلام قد يقعون في الوسوسة والحرج فيقولون: لو كان عملي صالحًا لوجدت أثر ذلك في قلبي. والحقيقة: أن من أتى بالعمل على وجه الإخلاص لله تعالى ومع استحضار النية، فقد حقق المقصود الشرعي، وكفى.

أما ما نسبه المتحدث لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: أفضل العمل الذي تجد فيه قلبك. فهذا لم أقف عليه، والله تعالى أعلم بصحة هذا النقل، لكن الذي وقفت عليه من كلام ابن تيمية لا يساعد على هذا المعنى، فقد قال في «الوصية الصغرى»:

«وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض؛ فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد، لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة».

ثم ذكر ابن تيمية طرفًا من الأدلة على فضل الذكر، ثم قال: «ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرِّب إلى الله من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله. ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه أو يفقِّه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقهًا فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله. وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبيرَ اختلاف». [مجموع الفتاوى: 10/660-661].

وقال في موضع آخر رحمه الله: «وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوعَ للربِّ، [أي: فيه امتثال لما شرعه الله عزَّ وجلَّ وأمر به] وأنفعَ للعبد، فإذا كان يضرُّه ويمنعه مما هو أنفع منه لم يكن ذلك صالحًا». [الفتاوى الكبرى: 2/138، المجموع: 22/300].

والحَكَمُ الفصل في هذا؛ الأحاديثُ التي أجاب فيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن أفضل العمل أو خير العمل ـ وهي كثيرة ـ منها:

ما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سَألتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال: «الصَّلاةُ على وقتِها»، قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «ثمَّ برُّ الوالدينِ»، قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «الجهادُ في سبيل اللهِ».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سئل: أَيُّ العملِ أَفْضَلُ؟ فقال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قيل: ثُمَّ ماذا؟ قال: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».

وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أيُّ العملِ أَفْضَلُ؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللهِ، وجهادٌ في سبيلِهِ»، قلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: «أعْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»، قلتُ: فإنْ لم أفْعَلْ؟ قال: «تُعِينُ ضَايِعًا، أو تَصْنَعُ لأخْرَقَ»: قال: فإنْ لم أفْعَلْ؟ قال: «تَدَعُ النَّاس من الشَّرِّ، فإنَّهَا صدَقَةٌ تصدَّقُ بها على نفْسكَ».

هذه الأحاديث ماذا نستفيد منها؟

أولًا: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أرشد إلى العمل، ولم يرشد إلى النظر في آثاره ونتائجه سواء على القلوب أو على السلوك. ولا شكَّ أن للعبادات والأعمال الصالحة آثارًا حسنة في صلاح القلوب وتزكيتها وتقويم السلوك وتحسينها، لكن المبالغة في أمر هذه الآثار، والتصريح بأن العمل غير مراد، وأنه وسيلة، هذا كله يفتح باب الوسوسة على الناس، كما أنه مخالف لمنهج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في تعليم الأمة وإرشادها لأفضل الأعمال، ومنهجه صلَّى الله عليه وسلَّم هو الأعلم والأحكم والأقوم.

ثانيًا: نستفيد من هذه الأحاديث تعظيم الأعمال الظاهرة، خاصة العبادات، وعلى رأسها الفرائض، فهي معظمة ومقصودة ومرادة لذاتها، تعبدًا لله تعالى وتقربًا وطاعة لأمره وامتثالًا لشرعه، وإيمانًا بأن الله تعالى يريدها ويحبها ويرضى عن فعلها، واحتسابًا للأجر العظيم والثواب الجزيل الذي رتبه الله تعالى على نفس هذه الأعمال.

من نظر في نصوص الكتاب والسنة علم علمًا يقينيًّا أن الأعمال الظاهرة مقصودة للشارع الحكيم، قصدًا مستقلًّا بعد شرط النية والإخلاص:

تأمل بيان الحقِّ سبحانه وتعالى أحكام الصيام العملية في سورة البقرة على وجه التفصيل من دخول الوقت وخروجه وما يحرم على الصائم وما يحلُّ له، ثم قال الحقُّ جلَّ وعلا: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}.

والتقوى فسَّرها ابن جرير الطبري رحمه الله في الصيام بنفس الفعل، فقال: «وأما تأويلُ قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فإنه يعني به: لتتقُوا أكلَ الطعام وشربَ الشراب وجماعَ النساء فيه. يقولُ: فرضتُ عليكم الصومَ والكفَّ عمَّا تكونون بتركِ الكفِّ عنه مُفطرِين، لتتَّقُوا ما يُفْطِرُكُم في وقتِ صومِكم». [تفسير الطبري: 3/156. ط. دار عالم الكتب]. فحقيقة التقوى في العمل بنفس ما شرعه الله وفرضه على عباده.

أما أعمال الحجِّ الظاهرة من الطواف والسعي وتقديم قرابين الهدي والأضاحي، فقد ذكرها الله تعالى في سورة الحجِّ فقال ـ أثناء ذلك ـ: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}، وقال: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}، ثم قال سبحانه: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}.

قال الطبريُّ رحمه الله: «{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ}: معنيٌّ به كلُّ ما كان من عملٍ أو مكانٍ جعله اللهُ علمًا لمناسكِ حجِّ خلقِه». [تفسير الطبري: 3/156].

وكذلك بيَّن الحقُّ سبحانه وتعالى بعض أحكام الحج والعمرة في سورة البقرة، ثم قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)}.

وبيَّن الله تعالى أحكام الطلاق ثم قال: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)}، وقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)}.

وقال تعالى في سورة النساء ـ بعد ذكر أحكام المواريث ـ: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)}.

وقال الحقُّ سبحانه في سورة المجادلة ـ في كفارة الظهار ـ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)}

وقال عزَّ وجلَّ في أول سورة الطلاق بعد أحكام العِدَّة: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.

هنا قد يقول قائل: إن أحكام الطلاق والظهار والعدَّة والمواريث ليست من العبادات، بل من الشرائع العملية؟ فنقول: نعم، لكن المطلوب من المسلم أن يلتزم بأحكامها ويأتي بها طاعة لأمره تعالى، وانقيادًا لشرعه، فهي من هذه الجهة من العبادات، ومن أجل العبادات، ثم إن كان هذا التشديد والوعيد في هذه الأحكام وهي ليست تعبدية، فكيف بالأحكام التعبدية المحضة كالصلاة والصيام؟

ثم إذا نظرنا في السنة النبوية؛ نجدُ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعنى عناية بالغةً ببيان الأعمال الظاهرة، ويأمر بالاقتداء به فيها، فيقول صلَّى الله عليه وسلَّم في الصلاة: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي»، ويقول في الحج: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَسَلَّمَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قال: فقال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، فَعَلِّمْنِي، قال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». وهذا لفظ أحمد (9635).

فهذا الحديث الصحيح الذي اشتهر بحديث «المسيء صلاتَه»؛ صريحٌ في أن الأعمال الظاهرة ـ التي يسميها بعض الجهلة اليوم بالشكليات والمظاهر والعادات والأعراف والطقوس ـ هي مقصودةٌ للشَّارع الحكيم، والإتيان بها على الوجه الذي بيَّنه الشارع من لُبِّ العبادة وحقيقتها.

وأخرج البخاري عن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى رجلًا لا يُتمُّ ركوعَه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صلَّيتَ. قال: وأحسبه قال: ولو مُتَّ مُتَّ على غير سنة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ»، وفي لفظٍ عند مسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلمة مهمة في اتِّباع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وطاعته، نبَّه فيها على أن ما ذهب إليه بعض غلاة الصوفية من إسقاط التكليف إنما هو كفرٌ صريح، فقال: «فمن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر، ملتزمًا لطاعته صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أوجب وأمر في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنًا، فضلًا عن أن يكون وليًّا لله تعالى»، وقال: «مِن أحب الأعمال إلى الله وأعظم الفرائض عنده الصلوات الخمس في مواقيتها، وهي أول ما يحاسب عليها العبد من عمله يوم القيامة، وهي التي فرضها الله تعالى بنفسه ليلة المعراج، لم يجعل فيها بينه وبين محمد واسطة، وهي عمود الإسلام، الذي لا يقوم إلا به، وهي أهم أمر الدين»، وقال: «ومن اعتقد أنها تسقط عن بعض الشيوخ العارفين والمكاشفين والواصلين، أو أن لله خواصًّا لا تجب عليهم الصلاة، بل قد سقطت عنهم لوصولهم إلى حضرة القدس، أو لاستغنائهم عنها بما هو أهم منها أو أولى، أو أن المقصود حضور القلب مع الرب [لننتبه لهذه الكلمة! فإن هذا هو المدخل للانحراف عندما يتم التركيز على هذا الجانب، ويكون هناك نوع استخفاف بالعمل]، أو أن الصلاة فيها تفرقة، فإذا كان العبد في جمعيَّته مع الله فلا يحتاج إلى الصلاة، بل المقصود من الصلاة هي المعرفة، فإذا حصلت لم يحتج إلى الصلاة، فإن المقصود أن يحصل لك خرق عادة، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء أو ملء الأوعية ماء من الهواء، أو تغوير المياه واستخراج ما تحتها من الكنوز، وقتل من يبغضه بالأحوال الشيطانية، فمتى حصل له ذلك استغنى عن الصلاة ونحو ذلك، أو أن لله رجالًا خواصًّا لا يحتاجون إلى متابعة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى، أو أن كل من كاشف وطار في الهواء، أو مشى على الماء فهو وليٌّ سواء صلى، أو لم يصل، أو اعتقد أن الصلاة تقبل من غير طهارة، أو أن المولهين والمتولهين والمجانين الذين يكونون في المقابر والمزابل والطهارات والخانات والقمامين وغير ذلك من البقاع، وهم لا يتوضؤون ولا يصلون الصلوات المفروضات، من اعتقد أن هؤلاء أولياء، فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام، ولو كان في نفسه زاهدًا عابدًا» [الفتاوى الكبرى: 1/182].

وهذه التقريرات لشيخ الإسلام ابن تيمية في تعظيم الشريعة والالتزام بأحكامها، يقول بها جميع علماء الشريعة على اختلاف فرقهم ومذاهبهم، لا يخالفهم فيها إلا الباطنية والزنادقة الذين يقول بإبطال الشرائع والأحكام.

في هذا القدر كفاية للتنبيه على هذا الأصل، أعني أصل الاتِّباع وتعظيم الأعمال الظاهرة وأنها في نفسها عبادات مقصودة في دين الله تعالى. وأعتقد أن هذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يخفى ـ في الجملة ـ على أحد من المسلمين، وإن كانوا يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في العلم والعمل به، وفي السَّلامة من البدع والمحدثات، حتى إنك تجد بعض المبتدعة المخالفين للسنة في كثير من مسائل الشريعة ـ بالجهل والهوى والتأويل والتقليد ـ يتحرَّى تحريًّا بالغًا غروب الشمس قبل أن يفطر من صيامه، ذلك لما هو مسلَّم عنده ـ وعند كل مسلم ـ من لزوم التقيِّد بأحكام الشريعة الظاهرة.

والشيخ المتكلِّم لا يخفى عليه هذا إن شاء الله تعالى، وليس المقصود أنه يقصد هذا المعنى أو يروج له، لكن لما صار بعض كلامه موهمًا للاستخفاف بالعمل الظاهر وجب التنبيه والبيان، لأن الاستخفاف بالعمل الظاهر إنما هو منهج غلاة الفلاسفة والصوفية من الباطنية والزنادقة المبطِلين لشرائع الأنبياء، والقائلين بسقوط التكليف.

ثم قال:

فلو كان الإنسان عنده كثرة أعمال صلاة، وصيام، وحج، وعمرة، وصدقة وإنفاق، وإمام مسجد يصلي بالناس، وخطيب جامع ويخطب كل جمعة، ويخطب العيدين، والاستسقاء والخسوف والكسوف، ويؤم الناس، ودائمًا يستفتى ويجيب وعنده موقع على الانترنيت ويفتي الناس ويعلمهم وينشر الخير، كل هذه تعتبر ايش؟ هذه وسائل أعمال فقط، لكن نأتي إلى القلب، هل هذا الذي عملته كله لو قام بها صحابي لكان الآن قد وصل إلى أعلى المراتب (الصديقية)، لأنهم يعملون بحضور قلب.

أقول: وصف هذه العبادات والقُرَب بالوسائل خطأ، بل هي أعمال محققة لمقصود الشارع، طالما أنها أدِّيت بتوفر الشرطين:

الشرط الأول: الإخلاص والنية.

الشرط الثاني: الموافقة للسنة.

أما ما ذكره الشيخ بعد هذا من بطلان الأعمال وضياع الحسنات بسبب الرياء والسمعة والمن والأذى أو انتهاك الحرمات، فهذه أسباب إضافية طارئة، لا علاقة لهذا بتلك الأعمال الصالحة. والإنسان لا يخلو من التقصير والتفريط والغفلة.

نعم؛ ما يقوم به العبد من العبادات والأعمال الصالحة إذا كانت بإخلاص ونية واحتساب وحضور قلب؛ فإن لذلك أثرًا بالغًا في تقوية إيمان العبد وحفظه من المعاصي والذنوب والإقلاع عنها. كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)}. فهذا الأثر أثرٌ متأخرٌ عن تصحيح النية والعمل، وليس يُطلب من العبد ـ بعد تحقق هذين الشرطين ـ شيء، لكن لا بأس أن يلاحظ العبد ما بعد ذلك من الأثر الطيب للعبادات، فيحافظ على عباداته وعلى آثارها الطيبة، ـ في قلبه ونفسه وكلامه وسلوكه ـ باليقظة والتقوى والمداومة على الطاعات والحرص على الاستزادة منها، وإن كان الإنسان لا يخلو من الغفلة والتقصير وتسلط الشيطان عليه بالوسوسة وبارتكاب ما يبعده عن طاعة الله عزَّ وجلَّ. 

ثم قال:

أذكر نفسي وأذكركم، لا الواحد يعني ينشغل بقضية الحسنات: صلينا اليوم الحمد لله رحنا وما قصر الشيخ دعا فينا دعاء طيب وطولنا في الصلاة، هذه كله ايش؟ وسائل، وصلنا ولا باقي؟ هكذا لا بد أن نسأل أنفسنا؟ وصلنا ولا باقي صلحت قلوبنا ولا باقي؟ الإنسان الذي استفاد من دعاء الإمام وصلاة الإمام والقيام، هو الذي لما خرج من باب المسجد على طول عزم على التوبة وعلى ترك معصية وعلى التخفيف من المباحات وعلى الإقبال على الطاعات وأقبل على رضى الله عزَّ وجلَّ.

أقول: أن تثمر العبادات والطاعات التوبة من المعاصي وإصلاح الحال مع الله تعالى؛ فهذا أمر مطلوب شرعًا، ومعقول واقعًا، وكما قال العلماء: الحسنات تجر الحسنات، والسيئات تجر السيئات. فكلما زاد العبد من العبادة والطاعة زاد خيرًا وقربًا من الله عزَّ وجلَّ، لكن لا يلزم أن تقع منه التوبة التامة مباشرة، بمجرد خروجه من المسجد مثلًا، لأن الإنسان ضعيف، وقد يكون عنده تدين وصلاح، وعبادته صحيحة، لكن عنده ضعف أمام معصية معينة، فهنا لا يستقيم أن نربط جميع عباداتِه وأعماله بالقلب، ونتهمه بعدم صلاح القلب، لكن المسلم تجتمع فيه الحسنة والسيئة، والطاعة والمعصية، وأوضح مثال على هذا الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وَكَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللهِ وَرَسُولَهُ».

المقصود: أن يعلَّم الناس ويوجَّهوا إلى القيام بما أوجبه الله تعالى عليهم من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وأن هذا مقصود لله تعالى، وهو غاية التكليف، ولا يفتح لهم باب الوساوس والقلق بطلب ما وراء ذلك من الأمور المعنوية والنفسية.

هذه الطريقة العصرية في وعظ الناس وتذكيرهم تشبه ما ظهر عند بعض الصوفية قديمًا من الكلام في الوساوس والخَطَرات، وقد أنكره علماء السلف عليهم في ذلك الزمان سدًا للذرائع، التي تبعد الناس عن حقيقة التعبد لله عزَّ وجلَّ وتفتح عليهم أبواب الشر.

قال العلامة ابن مفلح رحمه الله في [الآداب الشرعية: 1/531-532]:

«قال المروزيُّ: سُئل أبو عبد الله عمَّن تكلم في الوساوس والخطرات؛ فنهى عن مجالستهم، وقال للسائل: احذرهم، وقال سمعت أبا عبد الله يقول: جاءني الأرمينيون بكتاب ذكر الوسواس والخطرات وغيره، قلتُ: فأيَّ شيءٍ قلتَ لهم؟ قال: قلتُ: هذا كُلُّه مكروهٌ. وقال في موضع آخر للمروذي: عليكَ بالعلم، عليكَ بالفقه.

وقال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: مَن تكلم في الخطرات؟ التابعون، تابعو التابعين؟!

وقال أحمد بن القاسم: سمعت أبا عبد الله ورجل يسأله من أهلِ الشام رجل غريب، فذكر أنَّ ابن أبي الحواري وقومًا معه هناك يتكلمون بكلام قد وضعوه في كتاب، ويتذاكرونه بينهم. فقال: ما هو؟ قال: يقولون: المحبةُ لله أفضلُ من الطاعة، وموضع الحب درجة كذا. فلم يَدَعَهُ أبو عبد الله يَسْتَتِمُّ كلامَهُ، وقال: هذا ليس من كلام العلماء، لا يُلْتَفَتُ إلى مَنْ قال هذا، وأنكر ذلك وكرهه.

وقال أبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: إياكَ وهذه الكتب، هذه كتبُ بِدَعٍ وضلالات، عليكَ بالأثرِ، فإنك تجدُ فيه ما يُغنيكَ. قيل له: في هذه الكتب عبرة، فقال: مَنْ لم يكن له في كتاب الله عبرةٌ فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن سفيان ومالكًا والأوزاعي صَنَّفُوا هذه الكتبَ في الخطراتِ والوساوس؟ ما أسرعَ الناسَ إلى البدع!». انتهى النقل عن ابن مفلح رحمه الله.

وفي هذا القدر كفاية، وبالله تعالى التوفيق، له الحمد أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، وصلَّى الله على محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

[ تحميل المقال بصيغة بي دي اف ]

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد