موقع الشيخ عبد الحق التركماني - «تاريخ ابن بُريال» التاريخ الذي لم يعرفه أحد!

/ 23 تموز 2024

للتواصل 00447432020200

«تاريخ ابن بُريال» التاريخ الذي لم يعرفه أحد!

نشرت بواسطة : إدارة الموقع 1 تموز 2024 885

«تاريخ ابن بُريال» التاريخ الذي لم يعرفه أحد!

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلَّى اللهُ عليه وعلى أصحابه الذين رضي عنهم ورضوا عنه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فقد انتهيتُ ـ بعون الله تعالى وتوفيقه ـ من تحقيق كتاب: «المرتبة الرابعة» لأبي محمد ابن حزم الأندلسيِّ (ت: 456)، وهو كتاب «السيرة النبوية»، الذي طبع قديمًا باسم: «جوامع السيرة». وعند كتابة المقدمة علمتُ بأنَّ كتابًا طُبع في بغداد بعنوان: «تاريخُ ابنِ بُرْيَالَ»، ولمَّا كان ابن بُريال من تلاميذ ابن حزم، وأحد من روى عنه كتابه في السِّيرة؛ فكان لا بدَّ أن أحصِّل نسخةً من الكتاب، لعلَّ فيه ما يتَّصل بكتاب ابن حزم، فكانت المفاجأة أنَّ «تاريخ ابن بريال» هو نفس كتاب ابن حزم، وأنَّ محقِّقَه قد اعتمد فيه على مخطوطة واحدة، وهي مخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة، وهي نفس المخطوطة التي صدرتْ عنها الطبعة القديمة باسم: «جوامع السيرة» بتحقيق: الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور إحسان عبَّاس، عن دار المعارف بمصر سنة: 1375/ 1956، وهي إحدى المخطوطات الأربع التي اعتمدتُ عليها في تحقيقي للكتاب. فكان لا بدَّ أن أكتب في مقدمتي الدراسيَّة مبحثًا في الكشف عن حقيقة كتاب: «تاريخ ابن بريال»، ثم رأيتُ أن أفرده بهذا المقال، لأهميته، وشدَّة حاجة الباحثين والمتخصصين إلى معرفته، والله المستعان.

وهذا المبحث ثقيلٌ على نفسي، فالكتاب متعلِّق بابن حزمٍ؛ ولا وجه أبدًا لهذه السَّقطة العلمية والتاريخية، وإنَّه ليوجعني قلبي أنَّ الباحث الذي تورَّطَ في هذا الأمر من أبناء بلدي، واعتمدتْ هذا الخطأ الشَّنيع: جامعتان عراقيَّتان، ثم طبعته ونشرته: وزارة الإعلام في العراق. لكنَّ العلمَ أمانةٌ، لا مجاملةَ فيه ولا محاباةَ، وهذه شهادتي أسجِّلها لله تعالى ثم للتاريخ، أبرِّؤ بها ذمَّتي، وأسعى في تصحيح خطأ نسبةِ كتابٍ لابن حزمٍ إلى تلميذه ابن بُرْيال، فأقول ـ وبالله تعالى التوفيق ـ:

إنَّ مخطوطة مكتبة عارف حكمت كانت معروفة ـ قديمًا ـ بموضوعها ونسبتها إلى أبي محمد ابن حزم، لهذا استنسخ عنها العلامةُ السورتيُّ الهنديُّ (ت: 1361/1942) نسخةً لنفسه عام: (1354/1935)، ثم طبع عنها في مصر باسم: «جوامع السيرة» عام: (1375/1956) ـ كما ذكرتُ آنفًا ـ.

رغم هذا كلِّه فإن أحد الجهلة من العاملين في المكتبة كتبَ ـ بعد ذلك ـ بطاقةَ فهرسةٍ لهذه المخطوطة، فنسبها إلى أحد رواة الكتاب، وسمَّاها: «تاريخ ابن بريال»!

ثم تسرَّب هذا الخطأ إلى بعض الفهارس، ففي سنة (1393/ 1973) ذكر عمر رضا كحالة في مقاله «المنتخب من مخطوطات المدينة المنورة» في كتب التاريخ: «تاريخ ابن ريال الحجازي (50 تاريخ)»(1). ثم في سنة (1429/ 2008) ذكر عبدالصمد محمد جان بن محمد ظاهر ـ وكان أمين المكتبة! ـ في مقاله «مخطوطات التاريخ في مكتبة عارف حكمت»: «تاريخ ابن بريال الحجازي»!(2)

إن وقوع مثل هذا الخطأ لأحد موظفي المكتبة لا يستغرب، لكن المستغرب والمستنكر أن ينطلي ذلك على عمر رضا كحالة (ت: 1408) الذي عُرف بعنايته بالكتب والفهارس والتراجم، واشتهر بكتابه الكبير: «معجم المؤلفين»، وعلى عبد الصمد ظاهر؛ فقد كتب مقاله وهو أمين مكتبة عارف حكمت، مما يدلُّ على أنه كان ينقل من البطاقات، ولم يراجع الأصول الخطية أصلًا!

كل ذلك قد يُحتَمل؛ أمَّا أن يتسرَّب هذا الخطأ الظاهر، وينطلي هذا التحريفُ البيِّنُ على باحث أكاديمي (!)، ويتفرغ لتحقيق الكتاب على هذا الأساس الباطل، ويحصل على شهادة التخرج، ثم ينشر الكتاب؛ فهذا خطأ شنيع؛ لا يحتمل، ولا يتسامح معه، ولا يجوز السكوت عنه!

تبدأ قصَّة هذا الكتاب أنَّ الدكتور بهمن صالح محمَّد كان طالبًا في مرحلة الماجستير في قسم التاريخ في كلية التربية بجامعة بغداد، وكان يبحث عن موضوع لرسالته، فيبدو أن البحث قد أعياه وأنهكه، حتى وقف على نسخة مصورة عن مخطوطة عارف حكمت، وهي تصوير قديم على شريط (مايكروفيلم)، محفوظ في «مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية في عمَّان»، رقم: (1161)، وتضمنت اللقطة الأولى من هذا الشريط بطاقة الفهرسة الغَلُوطَة.

طار طالبُ الماجستير فرحًا بهذا الكنز الثمين، فهذا «التاريخ» ـ الذي لم يعرف به أحد! ـ يصلح موضوعًا لتخصصه ورسالته، فتقدَّم به إلى جامعته، فوافقتْ على الموضوع، وأشرفتْ عليه الأستاذة الدكتورة ناجية عبد الله إبراهيم، وأجيزتْ الرسالةُ، وحصل الطالب المذكور على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي عام: 2007!

لا أدري ماذا أقول عن هذه الفضيحة العلمية والسقطة الأكاديمية لطالب الماجستير والمشرف عليه ولجنة المناقشة وخبراء الجامعة؟! سألتزم بضوابط الكتابة العلمية، وأذكر بعض الجمل حول هذا الموضوع، والله المستعان:

1- سبب هذا الخطأ الشنيع: بطاقة التعريف ومتابعة كحالة وظاهر لها، فاعتمدها (بهمن صالح محمد) معلومةً مسلَّمةً، ولم يكلِّف نفسَه البحثَ في صحَّتها، كما أنه لم يسْعَ للحصول على صورة حديثة ملوَّنة للمخطوطة، بل كان بإمكانه السفر إلى المدينة والوقوف على أصل المخطوطة.

2- والسبب الثَّاني لهذا الغلط القبيح: ما ورد في صفحة عنوان المخطوطة في إسناد الكتاب، ونصُّه:

«وكان في صدر الأصل الذي كتبتُ منه: كتب إليَّ القاضي أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني من حمص الأندلس، قال: أنبأنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الحافظ. قال: وقرأتُ على أبي محمد عبد الله بن محمد بن مرزوق اليحصبيِّ الأندلسيِّ بمصر، عن أبي بكر عبد الباقي بن محمد بن بُرْيَالَ الحجاري، قال رحمه الله تعالى: باب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم...».

لقد ظنَّ (بهمن صالح محمد) ـ كما ظنَّ ذلك المفهرس ـ أن ابن بريال هو مصنِّف الكتاب، وهو القائل: «باب...»، ولم ينتبِهَا إلى أنَّ هذا من باب تحويل الإسناد، فقد بيَّن الكاتبُ في صدر تلك النسخة أنَّ له إسنادَيْن إلى ابن حزم، أحدهما: عن شريح، عن ابن حزم. والآخر: عن ابن مرزوق، عن ابن بريال، عن ابن حزم. وهذا يُفهم من أساليب العلماء في التَّحويل في الإسناد، ويتأكَّد من تراجم المذكورِين، ومن يقيننا بأنَّ الكتاب من تصنيف ابن حزمٍ؛ فابن بُرْيالَ راوٍ عنه في هذا الموضع.

3- والسبب الثالث: أن (بهمن صالح محمد) أخطأ في فهم سياق إسناد الكتاب ـ المذكور في الصفحة الأولى من مخطوطة عارف حكمت ـ، بل لم يفهمه أصلًا، فقد اختلط عليه «سلسلة الإسناد»، وخلط في العلاقة بين المذكورِين فيها خلطًا عجيبًا، فاعتقد أن المقصود بما جاء في صدر النسخة: «كتب إليَّ القاضي أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني من حمص الأندلس، قال: أنبأنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الحافظ. قال: وقرأتُ على أبي محمد عبد الله بن محمد بن مرزوق اليحصبيِّ الأندلسيِّ بمصر، عن أبي بكر عبد الباقي بن محمد بن بُرْيَالَ الحجاري، قال رحمه الله تعالى»؛ اعْتَقَدَ أنَّ المقصود بهذا: أنَّ شريحًا يروي عن ابن حزم، وابنُ حزم يروي عن ابن مرزوق، عن ابن بريال. فقال (بهمن صالح محمد) ما نصُّه 1/90:

«ولما كان شريح الرعيني في كلا السندين بسلسلة الرواة في أعلاه هو ممن نقل عن ابن حزم الظاهري وانتفع به، وإن كان انتفاعه به كما يبدو عن طريق الإجازة إبان طفولته، فقد كان عمره يوم توفي ابن حزم الظاهري، لا يتجاوز خمس سنوات، ولذلك يُعد من بين آخر من أجاز لهم ابن حزم، فلعله أراد بذلك ان يؤكد أن ما ورد في المخطوطة قد وضعه ابن بريال نقلًا عن ابن حزم، وأن الأخير قد قرأه عن طريق ابن مرزوق اليحصبيِّ، ولم يعلق عليه بشيء يثير استغرابه أو يوضح معارضته له، لأنه معتمد فيه على أحد تصانيفه، وفيه ما يشير إليه ويعبر عن أمانة ابن بريال العلمية ودقته فيما نقله عنه، وهذا ما سنشير إليه بتفصيل في الفصل الخاص بمصادر المخطوطة. يؤيد هذا أن موضوعات المخطوطة تبدأ مباشرة بعد ذكر ابن بريال وهو آخر الرواة في السند».

وقد أعاد (بهمن صالح محمد) كلامه هذا، وأكَّده في خاتمة بحثه، فقال 2/406-407:

«وعلى الرغم من أن ابن بريال عالم أندلسي، فإن تاريخه هذا وهو نسخة فريدة جاء نقلًا عن كتاب «جوامع السيرة وخمس رسائل» لابن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦هـ/١٠٦٣م) ـ وكان معاصرًا له ـ وذلك من خلال شواهد كثيرة رصدها الباحث تؤكِّد أمانتَه العلمية ودقَّته في النَّقل وهو أمر لم ينفرد به ابن بريال وحده بل دأب عليه كثير من العلماء ممن ألف في التاريخ الاسلامي وسمَّى الكتاب باسمه، قبله أو بعده، ولا سيما أن ابن حزم نفسه قد اطلع على نص الكتاب ـ برواية ابن بريال ـ في مصر عن طريق أبي محمد بن مرزوق اليحصبي، ولم نجده قد اعترض أو علق عليه بشيء يثير الشك أو الالتباس. ولولا جهد الباحث(3) وأمانته العلمية ورصده الدقيق عند المقارنة بين صفحات المخطوطة والكتاب المذكور، لما أوصل إلى هذه النتيجة، ولا سيما أن كلا منهما حمل عنوانًا مختلفًا عن الآخر. بل إن الباحث يرجح أن يكون جوامع السيرة هذا هو نسخة ثانية لتاريخ ابن بريال وليس النسخة الأم للكتاب المذكور»!

قال أبو مَسْلَمَةَ: من المعلوم أنَّ ابنَ مرزوق اليحصبيَّ وُلد بسرقسطة سنة (456) وهي سنة وفاة ابن حزم، وأنه انتقل إلى الإسكندرية، ولقيه هناك أبو طاهر السِّلَفيُّ (ت: 576)، ثم انتقل إلى دمشق، ومات هناك في حياة السِّلفيِّ. وابنُ مرزوقٍ تلميذ ابن بريال المتوفَّى سنة: (502).

أما الواقعة التي ذكرها (بهمن صالح محمد) فيمكن تخيلها بالصورة التالية:

ذهب ابن حزم ـ بعد وفاته ـ إلى مصر لزيارة الأهرامات، فلقيه هناك ابن مرزوق، وحصل بينهما هذا الحوار:

ابن مرزوق: من أينَ الشيخُ؟

ابن حزم: من الأندلس.

ابن مرزوق: حيَّاك الله، وأنا ـ أيضًا ـ من الأندلس. ما اسمك وكنيتك؟

ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد.

ابن مرزوق: الله أكبر، أنت إمامنا ابن حزم؟

ابن حزم: أتعرفني! هل أنت ظاهريٌّ؟

ابن مرزوق: نعم، أخذت المذهب عن شيخي ابن بريال، وقد حدَّثني عنك وعن أخبارك كثيرًا، وعلمتُ منه أنك توفيت عام: (456)، وهو عام مولدي، فالحمد لله الذي ردَّك إلينا حيًّا.

ابن حزم: نِعْمَ الرجلُ ابن بريال، حفظ كتبي واستنسخها وبثَّها بين طلاب العلم.

ابن مرزوق: نعم؛ حصَّلت منه كثيرًا من كتبك، ومنها كتابك في السيرة، وقد استنسخ منه نسخة لنفسه، وسمَّاها: «تاريخ ابن بريال».

ابن حزم: علمتُ بذلك، وقد طابت نفسي، وسامحته على ما فعل!

ثم التفت ابن حزم وقال: وما شأنك أنتَ يا أبا مسلمة! ألا تعلم أنَّ: «لذَّة الطَّيْف تُنسي لذَّة اليقظة»(4)!!

4- لقد علم (بهمن صالح محمد) بمقدمتين تؤدِّيان إلى نتيجة ضرورية:

المقدمة الأولى: أن النسخة المصورة التي اعتمدها هي ـ كما قال هو في وصف المخطوطة 1/65 ـ: «مصورة أصلًا عن نسخة مكتبة عارف حكمت الفريدة المحفوظة في المدينة المنورة». ثم ذكر 1/66 أنها نُسخت سنة: «ست وسبعين وسبع مئة».

المقدمة الثانية: وقف (بهمن صالح محمد) على طبعة «جوامع السيرة» تحقيق: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، واصطحب معه هذه الطبعة في تعليقه على الكتاب من أوله إلى آخره، وقرأ مقدمة المحققَيْن، وعزا إليها مرارًا، ولا بدَّ أنه قرأ قولهما فيها 16: «أما هذه النسخة التي اتخذناها أصلًا ننشر عنه هذا النص، فقد جاء بها معهد المخطوطات بالجامعة العربية من المكتبة ‌الحبيبية بالهند، وقد أثبت كاتب النسخة في آخرها أنه انتهى من نسخها سنة 1354. فهي حديثة النسخ، والأصل الذي أخذت عنه موجود بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهو مكتوب في القرن الثامن (سنة 776)».

إنَّ نتيجة المقدمتين هي: أنَّ الأصلَ الخطيَّ التي حصل عليه (بهمن صالح محمد) هو نفسُ الأصلِ الخطيِّ الذي طُبع عنه كتاب «جوامع السيرة»، وأن الفرق الوحيد: أن المحققَيْن توصَّلا إلى هذا الأصل بواسطة النسخة الهندية، وأما (بهمن صالح محمد) فاطلع على المخطوطة الأصلية مباشرة؛ بواسطة المصوَّرة الأردنية.

لم يدرك (بهمن صالح محمد) هذه النتيجة البديهية الضرورية، فاتخذ طبعة «جوامع السيرة» نسخةً أخرى للمقابلة والمقارنة، وعدَّها كتابًا آخر مستقلًّا!

لا أدري كيف صحَّ في عقله وجاز في ذهنه أنَّه هو وناصر الدين الأسد وإحسان عباس قد اعتمدوا ـ ثلاثَتُهم ـ على: «مخطوطة عارف حكمت» ـ بذاتها! وعينها! ونفسها! ـ؛ لكن هذا الاعتماد انْتَتَجَ عندهما كتابَ «جوامع السِّيرة لابن حزم»، وانْتَتَجَ عنده كتابَ: «تاريخ ابن بريال»؟! سبحان مقلِّب الأحوال!

كان الواجب عليه ـ بالضرورة العقليَّة والحسِّية ـ إمَّا أن يخطِّأ المحققَيْن قبلَه في نسبة الكتاب إلى ابن حزم، وإمَّا أن يخطِّأ نفسه، ويصحِّح ظنَّه، ويقرَّ بأنَّ نسبة الكتاب لابن بريال لا تصحُّ، بل باطل لا أصل له.

لكنَّ (بهمن صالح محمد) حَكَمَ بصدور مؤلَّفَيْن مستقلَّيْن لمُؤلِّفيَّن اثنَيْن عن مخطوطةٍ واحدةٍ بعينها! لقد اختار المُمْتَنِعَ لذاته، وحكم بالمستحيل، ولله في خلقه شؤونٌ!

5- لقد قابل (بهمن صالح محمد) «تاريخ ابن بريال» (!) على «جوامع السيرة» مقابلة دقيقة جدًّا، حتَّى إنَّه أيقن بأنهما كتاب واحد، ورغم يقينه هذا فقد أصرَّ إصرارًا، وألحَّ إلحاحًا، وعاند عنادًا، وكابر مكابرةً؛ فزعم أنَّهما كتابان مختلفان مستقلَّان، أحدهما لابن بُريال، والآخر لابن حزم، فقال في (الفصل السادس: مصادر تاريخ ابن بريال) 1/179:

«على أنَّ ما ينبغي الإشارة إليه هنا وقُبيل تناول هاتين النقطتين، الإشارة إلى نقطة أخرى مهمة لعلها تكون في المقدمة، وهي أن ما ورد من معلومات في «تاريخ ابن بريال» وبعد المقارنة الدقيقة مع كتاب «جوامع السيرة وخمس رسائل» لابن حزم الأندلسي وهو أبو محمد علي بن أحمد (ت ٤٥٦هـ /١٠٦٣م)، يدل دلالة واضحة على أن ابن بريال قد نقل الكتاب المذكور كاملًا ورواه عن ابن حزم، مؤلِّفه، وهو ما تحقق للباحث عند المقارنة، على الرغم من بعض الاختلافات الواردة بينهما سواء في الألفاظ أو العبارات لا سيما أن الكتاب المذكور صدر في طبعتين الأولى(5) بالعنوان المذكور في أعلاه، وقد جاءت مطابقة في حجمها مع مخطوطة «تاريخ ابن بريال» ولكنها مختلفة من حيث استخدام عناوين «الرسالة الأولى... الرسالة الثانية.. الرسالة الثالثة.. إلخ» للرسائل الخمسة الواردة فيها، وكل رسالة منها تحمل عنوانًا من العناوين أو الأبواب الواردة في المخطوطة بعد باب السيرة النبوية».

قال أبو مسلمةَ: من المعلوم عند الباحثين أنَّ عنوان «الرسالة» من زيادات المحققَيْن، كما نبَّه عليه صلاح الدين المنجِّد في مقاله الذي نشره بُعَيدَ صدور الكتاب قبل سبعين سنة!

 6- لقد تكرَّرتْ في مواضع من الكتاب العبارة الحزْميَّة الشَّهيرة: «قال أبو محمَّد». وهذا دليل واضح على نسبة الكتاب إلى ابن حزم، خاصة أنه ذُكر في بعض المواضع باسمه الكامل. لكن (بهمن صالح محمد) ذهب بعيدًا، واستدلَّ بهذه النسبة على أمانة ابن بريال، فقال 1/180:

«على أن ما نقله ابن بريال عن ابن حزم هنا كان في غاية الدقة والوضوح والأمانة العلمية وقد عبر عن ذلك بإشارات صريحة نحو ما ورد في بداية موضوع غزوة الطائف فقد قال: «قال أبو محمد علي بن أحمد رحمه الله»(6)، وفي بداية باب «القراءات المشهورة في الأمصار الآتية مجيء التواتر» قال: «قال أبو محمد رحمه الله». ومثل ذلك ورد في موضوع «أمر الديلم» الذي جاء تحت عنوان «جمل فتوح الاسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ونصه: «قال أبو محمد رحمه الله». بل إنه في بداية «باب من ذكر من روى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الصحابة» يشير صراحةً بنقل الموضوع عن ابن حزم حيث يقول: «قال أبو محمد رحمه الله تعالى هذا باب من ذكر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم»!

ثم عاد (بهمن صالح محمد) إلى «مزار الطَّيف وتسليم الخيال»(7) فقال 1/181:

«ولما كان ابن حزمٍ قد اطَّلع على ما رواه ابن بُريال في تاريخه عن طريق ابن مرزوق اليحصبي ـ كما أشرنا سابقًا ـ وقرأه، دون أي تعليق يُثير الشكَّ فيه أو الالتباس، فإن ذلك يؤكد دقَّة ابن بريال وأمانته العلمية وضبطه لما نقله عنه»!

7- لقد أطال (بهمن صالح محمد) في مقدمته الدراسية للكتاب فجاءت في (253) صفحة، أكثرها حشوٌ وتطويلٌ وأغاليطُ، وجعلها في بابَيْن، وتحت كلِّ بابٍ فصول ومباحث:

الباب الأول 11-61: وفيه: الفصل الأول: (الملامح العامة لعصر ابن بريال). والفصل الثاني: (حياة ابن بريال الشخصية والعلمية).

والباب الثاني 61-253: (دراسة مخطوطة تاريخ ابن بريال)، وفيه سبعة فصول:

الفصل الأول منه مباحث: وصف المخطوطة، ورسم الحروف! والعلامات والرموز! والحواشي والتعليقات والأختام!

الفصل الثاني: (دوافع تأليف المخطوطة!)، وفيه: تاريخ التأليف، ودوافع التأليف.

الفصل الثالث: (الخطة العامة للمخطوطة)، وفيه مباحث: مقدمة المخطوطة، ومحتوى المخطوطة، وأهمية المخطوطة.

الفصل الرابع: (لغة المخطوطة وأسلوبها العام)، وفيه مباحث: لغة المخطوطة، والإحالة، والتوضيح، وآراء المؤلف ونقده للروايات.

الفصل الخامس: (منهج المؤلف في عرض مادة المخطوطة)، وفيه: تمهيد، ومباحث: السيرة النبوية، والفتوحات الإسلامية، والقراء والرواة، والخلافة الإسلامية، والحوادث التاريخية، والشخصيات والأعلام.

الفصل السادس: (مصادر تاريخ ابن بريال)، وفيه ـ بعد المقدمة ـ مباحث: الإشارة إلى المصادر وطريقة الاقتباس منها، ومصادر تاريخ ابن بريال.

الفصل السابع: (طريقة الباحث في التحقيق ومنهجه في العمل).

قال أبو مسلمَةَ: أطلتُ بنقل عناوين جميع فصول ومباحث مقدِّمته حتى أسأَلَ: أين مبحث: (تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه ابن بريال) بين هذه المباحث الكثيرة؟!

إنَّ (بهمن صالح محمد) تجاهل البحث في نسبة الكتاب إلى ابن بريال، وأعرض عنه، ولم يكتب فيه سطرًا واحدًا، فقد تهرَّب من حقيقة أنَّه لا يوجد أيُّ دليل على صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن بريال:

1- فلَمْ يُنسَبِ الكتابُ إلى ابن بريال في صفحةِ عنوان المخطوط، ولا في أوَّله، ولا في خاتمته.

2- ولم ينسبه إلى ابن بُريال أحدٌ ممَّن ترجم له.

3- ولم يَرِدْ في شيءٍ من كتب التاريخ والتراجم والمعاجم والأثبات وأسماء الكُتب وفهارس مخطوطات التراث العربي ذكر «تاريخ ابن بريال»، ولا نسبة كتابٍ في السِّيرة لابن بريال.

4- وليس في شيءٍ من كتب السِّيرة النبوية أيُّ نقلٍ عن كتاب ابن بُريال.

بينما نجد أن نسبة هذا الكتاب ـ نفسه ـ إلى مؤلِّفه ابن حزمٍ؛ نسبةٌ صحيحةٌ، ثابتةٌ بيقينٍ بأدلةٍ كثيرةٍ، متظافرةٍ، متواترةٍ:

1- فقد جاءت نسبة الكتاب إلى ابن حزم في إسناد مخطوطة عارف حكمت، وتأكد ذلك بما جاء في صفحة عنوان مخطوطة مكتبة ابن عاشور ومكتبة برلين من النسبة الصريحة إلى ابن حزم.

2- وتتابع مترجمو ابن حزم على نسبة كتاب السيرة النبوية إليه.

3- ووجدنا الكتاب منسوبًا إلى ابن حزم في كثير من كُتُب التاريخ والتراجم والأثبات وأسماء الكتب وفهارس المخطوطات.

4- ووجدنا في كتب السيرة النبوية نقولاتٍ جمَّةً من كتاب السيرة لابن حزم، مع تصريح مؤلِّفيها بنسبتها لابن حزم، ومناقشته والردِّ عليه أحيانًا، وجميع ذلك مطابِقٌ لما ورد في هذا الكتاب الذي نسبه (بهمن صالح محمد) ـ بغير حقٍّ ـ إلى ابن بريال!

قال أبو مسلمةَ: أكتفي بهذا القَدْر في بيان حقيقة ما طبع باسم: «تاريخ ابن بُريال»، ولا أطيق أكثر من هذا في تقرير الحقِّ الواضح، وإبطال الباطل الفاضح. أما أخطاء الكاتب وأغاليطه وأوهامه وسقطاته في مقدِّماته وتعليقاته فأكثر من أن تحصر.

ثم إنَّ (دائرة الشؤون الثقافية)(8) في وزارة الإعلام العراقية علمتْ بهذا الإنجاز العلمي الكبير ـ بل الاكتشاف التاريخي الخطير (!) ـ؛ فبادرت إلى طباعة الرسالة على نفقتها، وصدر عنها كتاب: «تاريخ ابن بريال، مخطوطة لأبي بكر عبد الباقي بن محمد بن بريال الحجاري. دراسة وتحقيق: بهمن صالح محمد، سلسلة خزانة التراث، الطبعة الأولى بغداد: 2011، رئيس مجلس الإدارة: نوفل أبو رغيف»، وجاء الكتاب في جزئين، الأول في (424) صفحة، والثاني في (440) صفحة!

وتبع هذا أنَّ (إخلاص دواي محسن) خصَّصتْ رسالتها للماجستير في دراسة هذا الكتاب، وعنوانها: «السيرة النبوية في كتاب تاريخ ابن بريال الحجاري الأندلسي (ت 502هـ): دراسة مقارنة»، وأجيزتْ عن كلية التربية في الجامعة المستنصرية، بإشراف الأستاذ (!) الدكتور (!): كريم عاتي الخزاعي، بغداد: 1440/2019؛ دون أن تتفطَّن الطالبةُ ولا مشرفها ولا لجنة المناقشة ولا مجلس الجامعة ولا خبراء التحكيم إلى أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيديهم إنَّما هو لابن حزمٍ لا ابن بريال!(9).

وكتبت نجلاء عبد الكريم خليفة بحثًا في: «منهج ابن بريال في عرض غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وبعوثه»(10)، وجعلته في مبحثين: الأول: في حياة ابن بريال. والثاني: في منهج ابن بريال في عرض غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم. ولم تبحث في نسبة الكتاب لابن بريال؛ فقد اعتمدت على كتاب (بهمن صالح محمد) المنحول!

والله المستعان، لا حول ولا قوَّة إلا به.

آخر مقال: تاريخ ابن بريال الذي لم يعرفه أحد، ولا ابن بريال نفسه! والحمد لله رب العالمين.

 

كتبه:

أبو مسلمة عبد الحق بن ملا حقي التركماني

الاثنين 25 ذو الحجة 1445، الموافق للأول من تموز 2024


(1) كذا ورد في مقاله: (ريال). «المنتخب من مخطوطات المدينة المنورة: مكتبة عارف حكمت»، نشر في «مجلة المجمع العلمي العربي»، المجلد (48)، الجزء (3)، جمادى الآخرة: 1393 / تموز 1973، 604، رقم (4).

(2) «مخطوطات التاريخ في مكتبة عارف حكمت»، نشر في «مجلة بحوث المدينة المنورة ودراساتها»، العدد (25)، 2008، 132، رقم: (41). (الحجازي) في هذا الموضع والذي قبله صوابه: (الحجاري) وهو موضع بالأندلس. وقد جاء على الصواب قبل سبعين سنة في طبعة «جوامع السيرة» في المقدمة ص: 15 و16، وقال المحققان الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور إحسان عباس في أول متن الكتاب: «في الأصل ابن ريال الحجازي، وهو خطأ»؛ فالعجب من بهمن صالح محمد أنَّه عدَّ تصحيح هذا التصحيف من فتوحاته العلمية، فقال 1/9: «هذا فضلًا عن الصعوبات المنهجية التي واجهها الباحث منذ بداية عمله في المخطوطة، ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بلقب المؤلف، حيث ورد على غلاف المخطوطة باسم (الحجازي) فيما تبين لاحقًا أن لقبه الصحيح هو (الحجاري، نسبة إلى وادي الحجارة بالأندلس)، وقد تطلَّب هذا الأمر جهدًا ووقتًا ليس بالقليل للبحث والتأنِّي في الكثير من المصادر والمراجع ذات العلاقة بالعلماء الحجازيين والأندلسيين بغية الوصول إلى صحة اللقب وتثبيته بشكل صحيح»!

(3) هنا يتكلم بهمن صالح محمد عن نفسه!

(4) «طوق الحمامة وظل الغمامة» 338.

(5) وعلَّق هنا بقوله: «وهي من تحقيق د. إحسان عباس وناصر الدين الأسد، مراجعة أحمد شاكر، دار المعارف، القاهرة ١٣٨٢هـ /١٩٦٢م».

(6) وعلَّق هنا بقوله: «تنظر: الورقة 110أ». وهكذا صنع في عشرات المواضع في مقدمته، عزا إلى مخطوطة عارف حكمت، مع أن «جوامع السيرة» المطبوع بين يديه، وفيه نفس النصِّ الذي يحيل إليه في المخطوطة!

(7) «طوق الحمامة وظل الغمامة» 338.

(8) كانت (دائرة الشؤون الثقافية) مَعْلَمًا من معالم الفكر والثقافة في العراق، وكنَّا أيام شبابنا نترقب صدور الجديد من مطبوعاتها، من تحقيق مخطوط، أو كتاب متميز في اللغة، أو ديوان في الشعر والأدب، أو دراسة متعمِّقة في الفكر والفلسفة، أو إضافة جديدة في التاريخ والاجتماع، أما ترجماتها عن الفرنسية والإنكليزية والروسية وغيرها فكانت فريدة في العالم العربي كله؛ فمن خلالها اطلعنا على أبرز المذاهب الأدبية والفلسفية. وكان أول نسخة اقتنيتُها من كتاب «طوق الحمامة» من إصدارها سنة: 1408/1988 في طبعة ممتازة فاخرة، ومن أبياته:

فلا ‌تَيْأَسِي ‌يا ‌نَفْسُ ‌عَلَّ ‌زمانَنا                  يعُودُ بوَجْهٍ مُقْبِلٍ غَيْرِ مُزْوَرِّ

كمَا صَرَفَ الرَّحمنُ مُلْكَ أُمَيَّةَ                       إليهم، ولُوذِي بالتَّجَمُّلِ والصَّبْرِ

(9) وقد حصلتُ على نسخة منها، وهي في (220) صفحة، فتبيَّن لي أنها اعتمدتْ على ما كتبه (بهمن صالح محمد) اعتمادًا كليًّا، ثم استعرضتْ وقائع السيرة، وعلَّقتْ عليها تعليقاتٍ لا تمتُّ إلى البحث العلميِّ والحقيقة التاريخية بصلةٍ، فقد حاولت تشويه السيرة النبوية وجهاد الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالأكاذيب المختَلَقة، والرِّوايات الباطلة.

(10) «مجلة الدراسات التربوية والعلمية» التي تصدرها كلية التربية في الجامعة العراقية، العدد (14)، المجلد (3)، نيسان: 2019، 13-32.  

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد