حاشيةٌ على «باب: تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام» في كتاب «رياض الصَّالحين» للفقيه النَّوويِّ رحمه الله
حاشيةٌ على «باب: تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام»
في كتاب «رياض الصَّالحين» للفقيه النَّوويِّ رحمه الله
قال العلامة النَّوويُّ رحمه الله في كتابه النافع المبارك: «رياض الصالحينَ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سيِّد العارفينَ»:
«(138) بابُ تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام، وكيفية الردِّ عليهم، واستحباب السلام على أهل مجلس فيهم مسلمون وكفار.
(866) وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤُوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيقه». رواه مسلم».
قال أبو مَسلمةَ عبد الحق التركمانيُّ عفا الله عنه: نقل النوويُّ هذا الحديث من «الترغيب والترهيب» 3 / 435 (ط: الحلبي: 1388/1968)، أو من: «مختصر صحيح مسلم» (1432)، وكلا الكتابين للمنذريِّ رحمه الله، وقد اقتصر في كتابَيْه على إيراد هذا اللفظ، وهو اللفظ الذي ساقه مسلم في «الصحيح» (2167) من طريق: عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، به. لكنَّ مسلمًا بيَّن بعده الاختلاف الواقع في لفظه، فقال: «وحدثنا محمد بن المثنَّى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة. (ح) وحدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو كُريب قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان. (ح) وحدَّثني زهير بن حرب، قال: حدثنا جريرٌ. كلُّهم: عن سهيل بهذا الإسناد، وفي حديث وكيعٍ: «إذا لقيتم اليهود». وفي حديث ابن جعفر عن شعبة، قال: «في أهل الكتاب». وفي حديث جرير: «إذا لقيتموهم»؛ ولم يسمِّ أحدًا من المشركين». انتهى كلام الإمام مسلمٍ رحمه الله، وهو صريحٌ في أنَّ في الحديث إشكالًا واضطرابًا من جهة ضبط لفظه، ولعلَّ مسلمًا أشار إلى تعليله بهذا الاضطراب، واللفظ الصحيح هو ما رواه وكيع: «اليهود»، فالحديث خاصٌّ بهم كما سيأتي.
والإشكال الثاني في الحديث: «إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه». فإن ظاهر هذا اللفظ يقتضي ما فهمه أبو القاسم إسماعيل بن محمد التَّيميُّ الأصبهانيُّ (ت: 535) في «التحرير في شرح مسلم» (634)، حيث قال: «فيه اضطرار الكافر إلى مضايق الطرق، وفي ذلك استهانة بهم واستذلال». لكن ليس في سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا في سيرة أصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ، ما يدلُّ على مضايقة أهل الذمَّة وإيذائهم وملاحقتهم في الطرقات، بل سنتهم وسيرتهم ـ جميعًا ـ تدلُّ على ترك مثل هذا السلوك، لهذا قال فقيه العصر محمد بن صالح العثيمين (ت: 1421): «ومن المعلوم أنَّ هديَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليس إذا رأى الكافرَ ذهب يزحمه إلى الجدار، حتَّى يرصَّه على الجدار! ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعل هذا باليهود في المدينة، ولا أصحابه يفعلونه بعد فتوح الأمصار» (مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: 3 / 39).
قلت: يعلم هذا كلُّ من علم بالسيرة والسنن والآثار، لهذا فإنَّ أكثر شرَّاح الحديث لم يقولوا بهذا الظاهر، بل حملوه على صورة خاصَّة:
قال القاضي عِياض (ت: 544) في «إكمال المعلم» 7 / 53: «والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ: أَلَّا يُظهِر برَّهم بالتَّنحِّي لهم عن نَهْجِ الطريق وسبيله، ويُؤْثِرَهم به، وينْضَمَّ هو إلى ضَيِّقِه وجوانبه، بل يسلكه المسلمُ حتَّى يضطر هو إلى حواشي الطريق وضَيِّقه. ولم يُرِدْ عليه السلام ـ والله أعلم ـ: إذا كان الطريق واسعًا لحملهم أن يُضيِّقَ عليهم ذلك قصدًا، ويمنعهم منه حتى يضطرُّوا إلى غيره».
وقال أبو العبَّاس القرطبيُّ (ت: 656) في «المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم» 5 / 490 (2074): «أي: لا تتنحَّوا لهم عن الطريق الضيِّق، إكرامًا لهم واحترامًا. وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبةً للجملة الأولى [يعني في النَّهي عن السلام عليهم] في المعنى والعطف. وليس معنى ذلك: أنَّا إذا لقيناهم في طريقٍ واسعٍ أنَّنا نُلجِئُهم إلى حَرْفِه حتَّى نضيِّق عليهم؛ لأنَّ ذلك أذًى منَّا لهم من غير سبب، وقد نهينا عن أذاهم».
وقال النوويُّ في «شرح مسلم» 14 / 147: «قال أصحابنا: لا يُتْرَكُ للذميِّ صدرُ الطريق بل يُضطَرُّ إلى أضيقه إذا كان المسلمون يطرقونه، فإن خلت الطريقُ عن الزَّحمة فلا حرجَ. قالوا: وليكن التَّضييقُ بحيث لا يقع في وَهْدَةٍ، ولا يصدُمُه جدارٌ ونحوه، والله أعلم».
قال أبو مسلمةَ: توجيه القاضي عياض والقرطبي والنووي للحديث على معنًى واحدٌ، وهو خروجٌ عن ظاهره، فيبقى الحديث مشكلًا، مع ما سبق التنبيه عليه من الاضطراب في بعض ألفاظه.
قال أبو مسلمةَ: القول الفصل في هذا الحديث: أنَّه جاء في حادثة معيَّنة، وهي في حال خروجه صلى الله عليه وسلم لمعاقبة بني قريظة على غدرهم وخيانتهم، فنهى أصحابه عن السلام عليهم؛ لأنَّ السَّلام أمانٌ، وأَمَرَهم بالإغلاظ عليهم حالَ اقتحام ديارهم. فاللفظ الصحيح هو ما رواه مسلم من طريقين عن وكيعٍ به، فذكر: «اليهود» فقط. وبهذا اللفظ أخرجه أحمد (9726) عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، به.
ويُبيِّن هذا حديثان وردَا في هذا الباب:
الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: «إنَّكم لاقون اليهود غدًا، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليك!». أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» (18755)، وأصله في البخاري (6928)، ومسلم (2164). وليس عندهما: «فلا تبدؤوهم بالسلام».
الثاني: عن أبي بَصْرَةَ الغفاريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم يومًا: «إني راكبٌ إلى يهودَ، فمن انطلق معي فإنَّ سلموا عليكم فقولوا: وعليكم». فانطلقنا، فلما جئناهم سلَّموا علينا، فقلنا: وعليكم. أخرجه أحمد (27235)، والنسائي في «الكبرى» (10148)، وهو حديث صحيح.
وقدوتنا في تفسير حديث أبي هريرة بحال الحرب اثنان من أئمة الإسلام الكبار: ابن راهويه، وابن تيمية.
قال الإمام الفقيه المحدِّث إسحاق بن راهويه (ت: 238): «ومعنى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تبدؤوهم بالسلام»؛ لَمَّا خافَ أن يَدَّعُوا ذلك أمانًا، وكان قد غدا إلى اليهود». نقله الكوسج (ت: 251) في «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» 2 / 337 (55).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728): «وأمَّا قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تبدؤوهم بالسلام»؛ وهذا لَمَّا ذهَبَ إليهم ليحاربهم، وهم يهود قريظة، فأمر ألَّا يَبْدَؤُوا بالسَّلام لأنَّه أمانٌ، وهو قد ذهب لحربهم».
نقله تلميذه ابن القيِّم في «أحكام أهل الذمَّة» ط: رمادي 3 / 1326، ط: عطاءات 2 / 413، وقال: «سمعتُ شيخنا يقول ذلك».
قال أبو مسلمةَ: ليس في النهي عن ابتداء غير المسلمين بالسَّلام حديث غير حديث أبي هريرة ـ هذا ـ، فإذا علمنا أنه جاء في حادثة معيَّنة، وأن عمومه مخصوص بتلك الحال؛ تبيَّن لنا أن الأصل في ابتدائهم بالسلام هو الجواز في حال الأمن والموادعة، ويحرم السلام عليهم في حال الحرب.
والظاهر من حديثي ابن عمر وأبي بصرة أن السلام على اليهود في المدينة كان شائعًا بين الصحابة، لهذا نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السلام عند الدخول عليهم لعقوبتهم ومحاربتهم.
وقد صرَّح غير واحدٍ من أئمة السَّلف بجواز ابتدائهم بالسلام مطلقًا، وسُئِلَ إمام أهل الشَّام الأوزاعيُّ (ت: 157) عن مسلمٍ مرَّ بكافرٍ فسلَّم عليه؛ فقال: إِنْ سلَّمتَ فقد سلَّم الصالحون، وإنْ تركتَ فقد ترَكَ الصالحون. نقله ابن بطَّال (ت: 449) في «شرح البخاري» 9 / 34. وهذا الخلاف العالي الذي ذكره الأوزاعيُّ رحمه الله قد طُويَ ونُسيَ في القرون المتأخرة، حتى صار أكثر طلاب العلم يظنون أن المنع محلُّ اتفاقٍ، ويبدو أن سبب هذا: اشتهار الحديث باللفظ الذي ورد في «ترغيب المنذري» و«رياض النووي».
وأخرج ابن السنيِّ في «عمل اليوم والليلة» (216)، وأبو نُعيم في «الحلية» 6/112، والبيهقيُّ في «شعب الإيمان» (8752) من طريق محمد بن زياد الإلهانيِّ، قال: كنت آخذ بيد أبي أُمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه في المسجد، فانطلقتُ معه، وهو منصرفٌ إلى بيته، فلا يمُرُّ على أحدٍ ـ صغيرٍ ولا كبيرٍ، مسلمٍ ولا نصرانيٍّ ـ إلَّا سلَّم عليه، حتَّى إذا انتهى إلى باب داره قال: يا ابن أخي! أَمَرَنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أن نُفشي السَّلام.
وهذا أثرٌ صحيحٌ، وفقهٌ رفيعٌ، وتدلُّ عليه أحاديث وآثار أخرى، وقد بسطت البحث في هذه المسألة في كتاب: «فقه التعامل مع غير المسلمين في السنة النبوية»، وبالله تعالى التوفيق.
* مرفق الحاشية بصيغة PDF
النسخة 1: بخط كبير، 5 صفحات.
النسخة 2: بخط صغير في صفحتين، لمن أراد إلحاق الحاشية بنسخته من الكتاب.
- لا يوجد تعليقات بعد
