موقع الشيخ عبد الحق التركماني - حكم المخالف بعد استقرار الشريعة

/ 21 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

حكم المخالف بعد استقرار الشريعة

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 1 يوليو 2007 113

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

هذا مبحث مفيد من المباحث المساعدة في فهم العلاقة بين الشريعة وسيرورتها التأريخية، وهو بالمنظور الفقهي متعلق ببعض مباحث أصول الفقه، مثل: النسخ، والإجماع، والاختلاف، ولكني لا أريد التعرض إليه هنا إلا من الوجهة التاريخية فحسب.

وثمرة هذا البحث: إبطال بعض الشبه التي يوردها بعض المتطفلين على العلم والدعوة من الرويبضة والأصاغر، على بعض الثوابت التي استقر عليها منهج أهل السنة والجماعة، فيتوسلون إلى هدمها ـ أو على الأقل: التشويش عليها ـ بإحياء آراءٍ مهجورةٍ قال بها بعض السلف، فإن ضلَّل السلفيُّ قائلها: شنعوا عليه، وأثاروا عليه الغوغاء، ونادَوْا: يا مضلِّلَ السَّلف!

لقد جمعني مرةً مجلس مع واحد من مدرسة: بي بي سي، وسي إن إن، والاندبندنت، والغارديان، وأخواتها، فزعم: وجوب الخروج على الحكّام. فألجمته بذكر بعض الأحاديث وبعض النقولات عن أئمة السلف في منع الخروج على تفصيلٍ، فقال: فماذا تقول في خروج الحسين رضي الله عنه، وسعيد بن جبير رحمه الله، وغيرهم من السلف؟! وإنما أراد بذلك أن يستدرجني إلى ما به يتمكن من التشنيع عليَّ. فإن قلت: أخطؤوا. نشر عليَّ أني أخطِّؤُ السلف وأضللهم. وإن قلت أصابوا. نقضتُ قولي، وناقضتُ نفسي. فقلت له: لن أخوض في موقف هؤلاء لأنه كان قبل استقرار القول بمنع الخروج. فثار واستنكر: كيف تقول هذا والشريعة قد تمَّت وكملت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم … فأشفقتُ على المسكين، وعلمتُ أنه ليس هناك.

لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى جوار ربِّه الكريم إلا بعد أن بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكَمُلَ الدينُ خبراً وإنشاءً، أصولاً وفروعاً، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ولكن البعض القليل من أحكام الشريعة لم يستقر على الصورة التي انتهت إليها الشريعة في نفس الأمر، بل بقيت مثار اختلاف وجدلٍ في عصر الصحابة، بل وفي عصر التابعين وتابعيهم، والسبب في ذلك يظهر بأدنى تأمُّلٍ لما كان عليه عصر المسلمين الأوائل من قلة وسائل الإعلام، وصعوبة الاتصال، وندرة الكتابة، وانتشار الصحابة في الأمصار والثغور. فهذا عذر من تفرِّد من السلف ببعض الأقوال، أما من جاء بعدهم وقد استقر الأمر، وارتفع الخلاف في تلك المسائل: فلا عذر له، ولا مانع من وصفه بالابتداع والضلال إذا تبنى تلك الآراء المهجورة، فإن ذلك لن يشمل أولئك الأئمة السابقين الذين قالوا بها، لعذرهم المذكور.

وهكذا ما نحن فيه من مسألة الخروج على الحكّام التي أشرنا إليها، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة: الحسن بن صالح بن حَيّ الكوفيَّ (169 هـ) بعد أن ذكر نقد بعض الأئمة له، وكلامهم فيهم لأنه كان يرى السيف: “قولهم: كان يرى السيف. يعني: كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجَوْر، وهذا مذهب للسلف قديم. لكن: استقر الأمر على ترك ذلك، لما رأوه قد أفضى إلى أشدَّ منه، ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما: عظة لمن تدبَّر، ومثل هذا الرأي لا يقدح في رجلٍ قد ثبتت عدالته، واشتهر بالحفظ، والإتقان، والورع التام” [1].

وقد أراد بعض من يرى الخروج اليوم التملَّص من هذا الحكم الذي استقر عليه الأمر، فزعم أن “المنع طارئ” [2]، وأن الأئمة قد أطبقوا على القول بمنع الخروج ـ إنما ـ درءاً للمفاسد، وأن الأصل هو القول بالخروج: “فهو المذهب السلفيُّ الأول المستفاد من مجموع الآيات والأحاديث، والقديم على قدمه ما لم تصرفه الصوارف … “[3]، هكذا قال، وطبيعة البحث العلمي كانت تقتضي أن يسوق تلك الآيات والأحاديث، ويتكلم في وجه دلالتها على مقصوده، ويورد فهم الأئمة لها، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك، بل أتى بكلام مجملٍ، واستدل بحديث اعترف بأنه لم يقف على أصله، وأوَّل حديث: “إلا أن تروا كفراً بواحاً” تأويلاً منكراً، أتى به من كيسه.

والصحيح: أن الأحاديث الصحيحة قد قضت بمنع الخروج[4]، وأن الأمر إنما استقر على ذلك استناداً عليها، ولكن لما رأى الأئمة المفاسد التي ترتبت على عدم استقرار هذا الحكم: كَثُرَ في كلامهم ذكر مفاسده وأضراره، وبالغوا في بيان حكمة النهي عنه، ليكون ذلك أدعى في رسوخ الحكم في أذهان الناس، ووقوفهم عنده، خاصة: وأن النفوس مجبولة على الثورة والعنف، لا صبر لها على ظلم الحكّام وجورهم.

فقول الحافظ رحمه الله: “لما رأوه قد أفضى إلى أشدَّ منه”، متعلق بقوله: “استقر الأمر”، وليس بقوله: “ترك ذلك”، أي: إن ما رأوه مما أفضى إليه الخروج من مهالك ومفاسد: دفعهم إلى مزيد بحثٍ ونظرٍ فيه، حتى تجلّى الصواب فيه واشتهر، واستقر رأيهم عليه. أما هذا الأخير ـ أعني: ترك الخروج ـ فهو مبني على الأحاديث الصحيحة. نعم: ما ظهر من مفاسد الخروج كان دليلاً آخر ثانوياً على وجوب تركه، ولكنه لم يكن الدليل الأساس. ولهذا لما اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى إمام أهل السنة والجماعة: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا ـ يعنون: إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك من الأمور العظيمة ـ ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه ـ يريدون الخروج ـ. ناظرهم في ذلك، وبيَّن لهم مفاسده العظيمة، وأمرهم بالإنكار القلبي والصبر، ثم قال: “ليس هذا صواباً، هذا خلاف الآثار”[5]. فبيَّن أن منعه هو بمقتضى الآثار، وليس بمقتضى المصلحة الراجحة فحسب.

ونظير هذا: نكاح المتعة، فقد ثبت تحريمه عن النبي صلى الله عليه وسلم [6]، وهو الأمر الآخر، ولكن هذا جابر رضي الله عنه يقول: استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكرٍ، وعمر[7]. ويقول في روايةٍ أخرى: حتى نهى عنه عمر[8]. وقد فهم من هذا الإمام ابن القيم رحمه الله: أن التحريم لم يكن قد اشتهر، حتى كان زمن عمر رضي الله عنه، فلمَّا وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر[9]. انتهى.

وفي هذا أعظم برهان على ما نحن بصدده، فإن عمر رضي الله عنه لم يُنشئْ حكماً جديداً، ولكن لما أدرك مخاطر عدم استقرار هذا الحكم: تبنى هو رسمياً إشهاره، فكان ذلك منه بمثابة ما يعرف في زماننا بالنشر في الجريدة الرسمية. وهكذا فعل أئمة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمنع الخروج، إذ لما رأوا مفاسده العظيمة، تبنّوا اشهار الحكم الشرعي فيه، وأدخلوه في كتب العقيدة والسنة ليكون معلماً منهجياً من معالم أهل السنة والجماعة، وهم في كلّ ذلك لم يُنْشؤُوا حكماً جديداً، بل دعوا إلى ما تقتضيه الأدلة الشرعية.

ولمسألة تحريم نكاح المتعة صلة بموضوعنا من وجهٍ آخر، وهو: أن غير واحدٍ من السلف قالوا بجوازه. قال ابن قدامه رحمه الله: “حكي عن ابن عباس أنها جائزة، وعليه أكثر أصحابه: عطاء، وطاووس. وبه قال ابن جريج، وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري، وجابر …” [10] ومع هذا نجد المازري رحمه الله يقول: “ثبت أن نكاح المتعة كان جائزاً قي أول الإسلام ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه نسخ، وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف قيه إلا طائفة من المبتدعة”[11].

فتأمل كيف وصف هذا الفقيه المالكي الشهير القائلين بجواز المتعة بأنهم: “طائفة من المبتدعة”، ولم يمنعه من ذلك أن بعض الصحابة والتابعين قالوا بجوازه ـ أيضاً ـ لأنهم معذورون بما تقدم ذكره. فإذا وجد اليوم من يفتي الناس بجواز نكاح المتعة ـ ممن ينتسب إلى السنة ـ هل يتردد الفقهاء في وصفه بالزيغ والضلال، وهل يشفع له أن بعض السلف قال بمثل قوله؟!

وتدخل في هذا الباب أمثلة كثيرة، مثل: وجوب الغسل من التقاء الختانين وإن لم ينزل، فقد كان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يقولون: لا غسل على من جامع فأكسل ـ يعني: لم ينزل ـ، وتبعهم بعض أئمة السلف، ثم استقر الحكم بوجوب الغسل، وانعقد الإجماع[12].

وكذلك: جواز كتابة الحديث النبوي، فقد كان كثير من أئمة السلف يرى عدم جوازه، ثم استقر الأمر على الجواز[13].

وليس المقصود هنا تتبع الأمثلة، وإنما المقصود التنبيه على أنه لا يتوجه على السلف شيء من النقد الذي يتوجه على من شذَّ في هذا الباب من الخلف. وأعني به شيئاً آخر غير ما يذكره العلماء من الأسباب الموجبة لاختلاف الفقهاء، واعذارهم في ذلك، والتي شرحها شيخ الإسلام رحمه الله في: “رفع الملام عن الأئمة الأعلام”، فإن تلك الأعذار باقية ما بقي في الأمة علماء يجتهدون في دين الله، فيصيبون؛ ولهم في ذلك أجران، أو يخطؤُون؛ ولهم في ذلك أجر واحد، فالذي أعنيه: تلك المسائل التي تكاثرت أدلتها، وتتابع العلماء على بيان الحكم فيها، واشبعوها دراسةً وبحثاً، بحيث لا يعذر العالم والباحث في الجهل بها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

كتبه:

عبد الحق التركماني

نشر في سنة : 2007


[1]تهذيب التهذيب: 2 / 288.

[2]محمد أحمد الراشد: المسار (ص 460 ـ 466) تحت عنوان: السيف السَّلفي!! ولتفصيل الرد عليه مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.

[3]نفسه.       

[4]وهي كثيرة، أشير إلى بعضها هنا باختصارٍ شديد، فمنها: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمورٍ منها: “وأن لا ننازع الأمر أهله”، قال: “إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان”، وهو في الصحيحين.

ومنها: حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، وفيه: قيل يا رسول الله أفلا ننابزهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولاتنزعوا يدًا من طاعة” رواه مسلم. ومنها: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه المشهور في سؤاله عن الفتن، وهو في الصحيحين، وفيه: فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها” … فقلت: يا رسول الله: فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: “فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك”. وفي لفظٍ لمسلمٍ: “يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس”. قال: قلت: كيف أصنع يارسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: “تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك، وأُخذ مالك، فاسمع وأطع”. قال ابن بطال رحمه الله: “فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور, لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم “دعاة على أبواب جهنم” ولم يقل فيهم “تعرف وتنكر” كما قال في الأولين, وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق, وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة” انتهى (فتح الباري: 13/37)

[5]رواه أبو بكر الخلّال في: السنة (ص 133)، وذكره الذهبيَّ في: سير أعلام النبلاء: 11 / 263، وابن مفلح في: الآداب الشرعية: 1 / 195 ـ 196.

[6]من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسيرة الجهني رضي الله عنه، أخرجهما: مسلم (رقم 1406، 1407).

[7]”صحيح مسلم” (1405) (15).

[8]”صحيح مسلم” (1405) (16).

[9]زاد المعاد: 3 / 464.

[10]المغني: 7 / 571 ـ 572.

[11]نقله النووي في: شرح صحيح مسلم: 8 / 179.

[12]راجع في المسألة: المغني: 1 / 203، وفتح الباري: 1 / 521 ـ 525، وشرح صحيح مسلم للنووي: 3 / 36.

[13]راجع كتب المصطلح، وتقييد العلم للخطيب البغدادي رحمه الله.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد