موقع الشيخ عبد الحق التركماني - الإمام عبد الغني المقدسي

/ 16 أبريل 2021

للتواصل 00447432020200

الإمام عبد الغني المقدسي

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 1 يوليو 2007 265

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

اسمه ونسبه:

هو: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الجمَّاعيلي، المقدسي، ثم الدمشقي ـ المنشإِ ـ، الصَّالحي، الحنبلي، تقيُّ الدين، أبو محمد.

مولده ونشأته:

ولد بجمَّاعيل من أرض نابلس من الأرض المقدسة، سنة (541) أو (543) أو (544) على خلافٍ، والأخير أظهر، فيما نقله ابن النجار رحمه الله عن الحافظ عبد الغني نفسه.

قدم من بيت المقدس إلى دمشق صغيراً، سنة (551)، مع جماعة من أقربائه من فصلاء المقادسة، من أبرزهم: أخوه الشيخ الزاهد: العماد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد (614 هـ) والإمام الفقيه موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (541 ـ 620 هـ)، وأخوه زاهد المقادسة الإمام أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة (528 ـ 607 هـ).

فنزلوا أولاً بمسجد أبي صالح ـ خارج الباب الشرقي لدمشق ـ، ثم انتقلوا منه إلى سفح جبل قاسيون، ضاحية دمشق، وليس به من العمارة شيء سوى دَيْر الحوراني، فعمَّروه بمساجد ومدارس ومساكن، يذكر فيها اسم الله كثيراً، ويُنشر فيها السنة والحديث ومذهب السلف، حتى سميت تلك البقعة بالصالحية لصلاحهم ـ كما ذكر غير واحدٍ ـ، وإن كان الشيخ أبو عمر ـ رحمه الله ـ يقول: “قيل لنا الصالحيِّين نسبةً إلى مسجد أبي صالح، لا أنَّا صالحون، وسميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية، نسبة إلينا”.

في هذه البقعة العلمية الصالحة نشأ الحافظ رحمه الله، فقرأ القرآن وسمع الحديث في دمشق، ثم ارتحل هو والموفَّق إلى بغداد، في أول سنة (561)، فأنزلهما الشيخ عبد القادر الجيلي (الكيلاني) رحمه الله عنده في مدرسته، وكان لا يترك أحداً ينزل عنده، ولكنه توسَّم فيهما الخير، والنجابة، والصلاح، فأكرمهما وأسمعهما، ثم توفي بعد قدومهما بخمسين ليلة.

كان الحافظ ميله إلى الحديث، والموفَّق ميله إلى الفقه، وكما يقول الإمام الذهبي: “تفقَّه الحافظ، وسمع معه الموفق الكثير”، فلما رآهما العقلاء على التصوّن وقلة المخالطة أحبُّوهما، وأحسنوا إليهما، وحصَّلا علماً جماً، فأقاما ببغداد نحو أربع سنين، واشتغلا بالفقه والخلاف على شيخ الحنابلة أبي الفتح ابن المَنِّي (501 ـ 583 هـ)، والإمام أبي الفرج ابن الجوزي، ثم قدما دمشق.

ورحل الحافظ إلى مصر، ودخل الإسكندرية في سنة (566)، وأقام مدّةً عند الحافظ الكبير أبي طاهر السِّلَفيِّ (576 هـ)، وله رحلة أخرى إلى السِّلَفيِّ سنة (570)، ثم سافر أصبهان، فأقام بها مدة، وحصَّل الكتب الجيدة.

منزلته وثناء العلماء عليه:

قال أبو عبد الله ابن النجار: حدّث بالكثير، وصنَّف في الحديث تصانيف حسنة، وكان غزير الحفظ، من أهل الاتقان والتجويد، قيّماً بجميع فنون الحديث، عارفاً بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه، ومنسوخه، وغريبه، ومُشْكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته.

قال الضياء[2]: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل ـ يعني من رجال الأسانيد ـ إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني، ويذكر نسبه. قال: وأنا أقول: وكان الحافظ أمير المؤمنين في الحديث.

وقال إسماعيل بن ظَفَر: جاء رجل إلى الحافظ، فقال: رجلٌ حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث! فقال: لو قال أكثر لصدق.

قال الضياء: ورأيته على المنبر غير مرة، يقولون له: اقرأ لنا من غير كتابٍ. فيقرأ الحديث بأسانيده من حفظه.

وعندما خرج الحافظ إلى أصبهان، أشار عليه شيخه الحافظ أبو موسى المديني الإصبهاني (581 هـ)، أن يأخذ على أبي نُعيم الإصبهاني، في كتابه: “معرفة الصحابة”. فقد كان يشتهي أن يأخذ هو على أبي نُعيم فما كان يجسر، فأخذ عبد الغني على أبي نُعيم نحواً من مئتين وتسعين موضعاً، في كتاب سمّاه: “تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نعيم في معرفة الصحابة”. قال الذهبي: “جزءان، تدل على براعته وحفظه”. وقد أثار هذا حفيظة بيت الخُجَندي، فقد كانوا أشاعرة، وكانوا يتعصبون لأبي نُعيم، وكانوا رؤساء البلد، فطلب الصدر الخُجَندي عبد الغني، وأراد هلاكه، فاختفى، وخرج إلى الموصل.

وقد أعجب الحافظ أبو موسى بكتاب عبد الغني، وكتب عليه تقريظاً بالغاً.

وقال التاج الكندي: لم يكن بعد الدّراقطني مثل الحافظ عبد الغني. وقال ـ أيضاً ـ: لم ير الحافظ مثل نفسه.

ووصفه الذهبي بـ”الإمام العالم، الحافظ الكبير، الصادق القدوة، العابد الأثري المتَّبِعُ، عالم الحفّاظ … “.

أخلاقه وشمائله:

اجتمع للحافظ رحمه الله من العلم النافع، والعمل الصالح، وأخلاق العلماء ما أهَّله أن يكون من أرفعهم منزلة وشأناً في عصره، وهي كثيرة، وإنما أشارت كتب التراجم إلى شيء منها:

· منها: حرصه على الوقت. بحيث كان لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة. قال أخوه العماد: “ما رأيت أحداً أشدَّ محافظةً على وقته من أخي”. فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقيناً، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين، إلى قبل الظهر، وينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالنسخ أو التسميع إلى المغرب، فإن كان صائماً أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل، أو بعده، ثم يقوم كأن إنساناً يوقظه. قال نصر بن رضوان المقرئ: ما رأيت أحداً على سيرة الحافظ، كان مشتغلاً طول زمانه. قال الضياء: وكان قد ضعف بصره من البكاء والنسخ والمطالعة.

· ومنها: ديانته ورقة قلبه: قال محمود بن سلامة التاجر الحرّاني: “كان الحافظ نازلاً عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا قليلاً، بل يصلي، ويقرأ، ويبكي”. وهكذا كان في مجالسه، يقرأ الحديث فيبكي، ويبكي الناس كثيراً، وإذا فرغ دعا دعاءً كثيراً.

· ومنها: سخائه وجوده: فكان لا يدّخر شيئاً، ديناراً ولا درهماً، مهما حصّل أخرجه، وكان يخرج بالليل بقفاف الدقيق، إلى بيوتٍ متنكراً في الظلمة، فيعطيهم، ولا يُعرف. وكان يُفتح عليه بالثياب، فيعطي الناس وثوبه مُرَقّع. قال الإمام الموفَّق: كان الحافظ يؤثر بما تصل يده إليه، سراً وعلانية. وقال سليمان بن رحمة الأسعردي [3]: بعث الأفصل ابن صلاح الدين إلى الحافظ بنفقةٍ وقمحٍ كثير، ففرّقه كله. وقال منصور الغضاري: شاهدت الحافظ في الغلاء بمصر، وهو ثلاث ليالٍ يؤثر بعشائه ويطوي، رأيت يوماً قد أهدي إلى بيت الحافظ مشمش فكانوا يفرّقون، فقال من حينه: فرِّقوا: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

· عنايته بالصلاة واكثاره منها: فكان يقوم من الليل، ويصلي بين المغرب والعشاء، ويصلي في الضحى ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين ـ كما تقدم ـ. وهذا مبني على المسألة المشهورة: هل طول القيام أفضل، أم كثرة الركوع والسجود؟ فيظهر أن الحافظ رحمه الله كان يرى الثاني أفضل، وربما يكون هذا في صلاة النهار بخاصة، والله أعلم.

وكان يكثر من الوضوء، ربما توضأ من الليل سبع مرات أو ثمانياً، ويقول: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت اعضائي رطبة. وكان يقول: سألتُ الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته.

· ومنها: قوَّته في الحق، فكان لا يرى منكراً إلا غيَّره بيده أو لسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، قال الضياء: قد رأيته مرة يَهْريقُ خمراً، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قوياً في بدنه، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبَّابات. قال الإمام الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه، وكنَّا مرة انكرنا على قوم وأرقنا خمرهم وتضاربنا، فسمع أخي أبو عمر، فضاق صدره، وخاصمنا، فلما جئنا إلى الحافظ طيَّب قلوبنا، وصوّب فعلنا، وتلا: {وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17].

وكان قد وضع الله له هيبةً في النفوس، فكان ينكر على السلاطين والأمراء وأولادهم، إنكاراً شديداً فلا يتجرؤون عليه، وربما عوتب في ذلك، فيقول: “أنا إذا رأيت شيئاً لا أقدر اصبر”.

· ومنها: جهره بمذهب السَّلف: وقد قام عليه المبتدعة وآذوه، كما سيأتي، فلم يزدد إلا ثباتاً على الحق، رحمه الله.

وقد وصفه ابن خالته الإمام موفق الدين رحمه الله في كلمة جامعة، فقال: كان جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصِّبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خيرٍ إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمَّل الله وصيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعدواتهم، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمّر حتى يبلغ غرضه في روايتها، ونشرها.

جهوده في نشر العلم:

قال الضياء: وكان رحمه الله مجتهداً على الطلب، يكرم الطلبة، ويحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب علم يَفْهم: أمره بالرّحلة، ويفرح لهم بسماع ما يحصّلونه، وبسببه سمع أصحابنا الكثير.

قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ: ما رأيت الحديث في الشام كله إلا ببركة الحافظ. فإنني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرّضني.

وقد اعتنى بتربية أبناءه وتعليمهم، ورحَّلهم لطلب العلم، وهم:

– عز الدين أبو الفتح محمد (566 ـ 613 هـ)، وهو ممن دخل بغداد غير مرة وسمع بها، كما سمع بدمشق وأصبهان.

– جمال الدين أبو موسى عبد الله (581 ـ 629 هـ) سمع بدمشق وبغداد وأصبهان ومصر، وحدّث بدمشق ومصر وغيرهما، وتكلَّم فيه بعضهم بسبب تقرّبه من السلطان.

– محي الدين أبو سليمان عبد الرحمن (583 أو 584 ـ 643 هـ) سمع بدمشق وبغداد ومصر، وحدث، وكان فقيهاً زاهداً.

وكان الحافظ رحمه الله يوصي أبناءه بقوله: “لا تضيِّعوا هذا العلم الذي قد تعبنا عليه”.

ومن جهود الحافظ في نشر العلم، مجالس عامة، كان يجعلها للعامة، لوعظهم وتقريب العلم إليهم، وتغلب عليها: “الأحاديث والحكايات”، وقد جمعها في أجزاء جاوزت المئة، والجزء عند المحدّثين بحدود عشرين ورقة.

تصانيفه:

الحافظ رحمه الله من المكثرين في التصنيف، ومعظم تأليفه في الحديث، ولعل أشهرها: “عمدة الأحكام” في أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الامامان البخاري ومسلم رحمهما الله. وقد اعتنى به العلماء، وشرحه ابن الملقّن ـ ولما يطبع ـ، وابن دقيق العيد، وشرحه على طريقة الفقهاء، وقد طبعه قديماً الشيخ محمد منير الدمشقي رحمه الله، مع تعليقات وحواشٍ كثيرة، وشرحه من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام حفظه الله.

وللحافظ أجزاء حديثية كثيرة أغلبها في “المكتبة الظاهرية بدمشق”، طبع بعضها، منها “الترغيب في الدعاء والحث عليه” طبع حديثاً، وكتاب “العلم” رأيت العلامة الألباني ينقل منه في بعض تخريجاته، وأظنه طبع.

الكمال في معرفة الرجال:

والحافظ رحمه الله هو أول من ألَّف كتاباً جامعاً تناول فيه رجال الكتب الستة، وسماه: “الكمال في معرفة الرجال”، وهوعمل موسوعي متميّز لم يسبقه إليه أحد [4]، اجتهد فيه أن يستوعب جميع رجال الصحيحين، والسنن الأربعة قدر الإمكان، لكنه قال: “غير أنه لا يمكن دعوى الإحاطة بجميع ما فيها، لاختلاف النسخ، وقد يشذُّ عن الإنسان بعد إمعان النظر، وكثرة التتبع ما لا يدخل في وسعه” [5].

وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، فقال ياقوت الحموي (626 هـ): “جوّده جيداً”. وقال الحافظ المزيّ: “وهو كتاب كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه رحمه الله عنايته إليه حق صرفها، ولا استقصى الأسماء التي اشتملت عليها هذه الكتب استقصاءاً تاماً، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعاً شامياً، فحصل في كتابه بسبب ذلك اغفال وإخلال” [6].

قلت: وهكذا كل ابداع جديد لابد أن يكون فيه نقص، يستدركه اللاحق، ويبقى للسابق فضيلة السبق، وهكذا كان، بحيث أن الإمام الحافظ الكبير جمال الدين أبو الحجَّاج يوسف المزيّ ـ صاحب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ المتوفي سنة (742 هـ) رحمه الله تعالى، لما أراد أن يضع كتاباً جامعاً لرجال الكتب الستة، لم يتجاوز كتاب عبد الغني، بل جعله أساساً لعمله وسمّاه “تهذيب الكمال في أسماء الرجال”، حتى ظنَّ كثيرون أنه اختصارٌ لكتاب عبد الغني، مع أن حجم “تهذيبه” ثلاثة أضعاف “الكمال”، وهو أكثر استيعاباً ودقة، وأحسن تنظيماً منه، فقد اعتنى الحافظ المزيّ بكتابه عنايةً بالغة، وقضى في وضع صيغته النهائية المبيَّضة ثمانية أعوام إلا شهراً [7].

محنتهُ:                   

ابتلي الحافظ رحمه الله بثلاث محنٍ:

الأولى: في أصبهان، عندما ألف في نقد كتاب أبي نعيم، وقد تقدمت الإشارة إليها.

الثانية: في الموصل، وقد دخلها بعد خروجه من أصبهان، قال رحمه الله: كنَّا بالمَوْصل نسمع “الجرح والتعديل” للعُقََيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه. فجاءني رجل طويل معه سيف، فقلت: لعله يقتلني واستريح. قال: فلم يصنع شيئاً، ثم أُطلقتُ. وسبب خلاصه: أنه كان يسمع هو وابن البرني. فأخذ البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة، ففتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئاً.

الثالثة: وهي المحنة الكبيرة التي لازمته حتى آخر حياته رحمه الله تعالى.

وذلك أنه بعد خروجه من الموصل، دخل دمشق، وبدأ بنشر علمه، فكان رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق، وليلة الخميس، ويجتمع خلق، وكان يقرأ ويبكي ويبكي الناس، حتى إن من حضره مرة لا يكاد يتركه، وكان في أثناء ذلك يذكر أحاديث النزول، والصفات، ويشير إلى عقيدة السلف ومذهبهم إشارات جلية واضحة، فثار عليه متعصبة الأشاعرة المعطلة، ورموهم بالتجسيم، وهكذا بدأت محنة الحافظ في ظاهر الأمر .. لكن الذين ترجموا للحافظ اتفقوا على أن محنته كانت بسبب (حسد) أولئك إياه: أن اجتمع إليه وعليه الناس، وعلا شأنه، وبَعُد صيته، وكثر الانتفاع به. ولا شك أن هناك مناسبة بين الأمرين، فإنهم كانوا يعادونه للمنهج السلفي الذي هو عليه، ويحسدونه على ما ظهر عليه من أثره مما هو من جنس: “عاجل بشرى المؤمن”. وقد قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54].

وهكذا شرعوا يعملون لهم وقتاً في الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس، فبعضهم ينام، وبعضهم يحضر وقلبه غير حاضر، فلم يشف قلوبهم، فشرعوا في مكيدة: فأمروا الناصح ابن الحنبليّ بأن يعظ بعد الجمعة تحت (…)، وقت جلوس الحافظ، وأمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه، حتى يشوش عليه، فأخر الحافظ ميعاده إلى العصر.

لقد كان الناصح أبو الفرج عبد الرحمن الأنصاري الحنبلي (634 هـ)، شيخاً “فاضلاً صالحاً” كما وصفه ابن كثير [8]، فلا ندري كيف استطاع الأشاعرة تجنيده لمناوأة الحافظ عبد الغني، واختيارهم إياه يدل على ذكائهم، إذ أرادوا من هذا الصراع أن يكون (حنبلياً ـ حنبلياً)، ويلعبوا هم دور المتفرج، ولا شك أن المبتدعة يتقنون صناعة الفتنة، لكن سرعان ما انقلب عليهم الناصح رحمه الله، ووقف مع الحنابلة موقفاً جيداً.

ولما كان في بعض الأيام، والناصح قد فرغ، وقد ذكر الإمام [9]، فدسُّوا إليه رجلاً ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح ـ ما معناه ـ: إنك تقول الكذب على المنبر؟ فضُرب الرجل وهرب، وخُبئ في الكلاسة. وهكذا تحقق لهم ما أرادوا، فمشوا إلى الوالي، وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، وهم .. وهم .. واعتقادهم. ثم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة، وقالوا للوالي: نشتهي أن تحضر الحافظ.

قال الضياء: وسمع مشايخنا، فانحدروا إلى المدينة ـ يعني: من سفح جبل قاسيون إلى دمشق ـ : خالي الموفق، وأخي الشمس البخاري، والفقهاء. وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ، فإنك حادٌ، ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ فأخذوه، ولم يعلم أصحابنا، فناظروه وكان أجهلهم يغري به، فاحتدَّ. وكانوا قد كتبوا شيئاً من اعتقادهم، وكتبوا خطوطهم فيه، قالوا له: اكتب خطَّك، فلم يفعل. فقالوا للوالي: قد اتفق الفقهاء كلهم وهذا يخالفهم، واستأذنوه في رفع منبره، فأرسلوا الأسرى [10] فرفعوا ما في جامع دمشق من منبرٍ وخزانة. وقالوا: نريد أن لا تجعل في الجامع إلا صلاة الشافعية. وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة في مكانهم، ففاتهم الظهر.

ثم إن النَّاصح جمع البنوية وغيرهم وقالوا: إن لم يخلُّونا نصلّي صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضي، وكان صاحب الفتنة، فأذن لهم، وخاف أن يصلّوا بغير إذنه. وكان الحنفية حموا مقصوراتهم بجماعة من الجند [11].

ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك وأقام بها مدة، وتوجَّه إلى مصر، فبقي بنابلس مدة يقرأ الحديث. ولقيه الملك الأفضل وهو متجه إلى دمشق، ففرح به وأكرمه، ونفذّ يوصي به بمصر.

فلما وصل إلى مصر تُلقي بالبشر والإكرام، وأقام بها يُسمع الحديث بمواضع ويجلس. وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائجة السلطان تمنعهم.. لكنهم ما زالوا يألبون عليه السلطان، حتى عزم الملك الكامل على اخراجه من مصر، ثم إنه أُعتقل في دارٍ سبع ليالٍ.

وربما كان الملك الكامل رحمه الله، على أشعريته أعقل من أولئك مثيري الفتنة، فقد وقف على اعتقاد الحافظ، وفيه: أقول كذا لقول الله تعالى كذا، وأقول كذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فقال الملك الكامل: أيش أقول في هذا؟ يقول بقول الله وقول رسول الله؟ فخلَّى عنه.

لقد كان من الرؤوس المدبرة لهذه الفتنة القاضي ابن الزكي، والخطيب الدّولعي، وقد مات كلاهما في سنة (598 هـ) وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله، أن ابن الزكي: “خولط في عقله، فكان يعتريه شبه الصرع، إلى أن توفي هذه السنة، ويقال: إن الحافظ عبد الغني دعا عليه، فحصل له هذا الداء العضال، ومات، وكذلك الخطيب الدّولعي، توفي فيها. وهما اللذان قاما على الحافظ عبد الغني فماتا في هذه السنة، فكانا عبرةً لغيرهما.”

وقد تناول ابن المظفَّر سبط ابن الجوزي في: “مرآة الزمان” هذه الفتنة تناولاً غير دقيق ولا مُنصف، فزعم: “إجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره، وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين …”.

وقد ردّ عليه الحافظ الذهبي رحمه الله في ثلاث مواضع:

الأول: في “تاريخ الإسلام” فقال: “قوله: “وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره” كلام ناقص، وهو كذب صريح، وإنما أفتى بذلك بعض الشافعية الذين تعصبوا عليه، وأما الشيخ الموفق، وأبو اليمن الكندي، شيخا الحنفية والحنابلة فكانا معه. ولكن نعوذ بالله من الظلم والجهل.”

الثاني: ما قرأه ابن رجب رحمه الله بخط الذهبي: ” … فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو [12]. ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين [13]: من أن الصفات الثابت محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شيء.” [14] الثالث: في “السِّير” قال: “قد بلوت على أبي المظفر المجازفة، وقلة الورع فيما يؤرخه والله الموعد، وكان يترفض، رأيت له مصنفا في ذلك فيه دواهٍ[15]، ولو أجمعت الفقهاء على تكفيره كما زعم لما وسعهم إبقاؤه حيا، فقد كان على مقالته بدمشق أخوه الشيخ العماد والشيخ موفق الدين، وأخوه القدوة الشيخ أبو عمر، والعلامة شمس الدين البخاري، وسائر الحنابلة، وعدّة من أهل الاثر، وكان بالبلد أيضا خلق من العلماء لا يكفرونه. نعم: ولا يصرّحون بما أطلقه من العبارة لما ضايقوه، ولو كف عن تلك العبارات، وقال بما وردت به النصوص لاجاد ولسلم، فهو الأولى، فما في توسيع العبارات الموهمة خير. وأسوأ شيء قاله: أنه ضلل العلماء الحاضرين، وأنه على الحق. فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء، رحم الله الجميع وغفر لهم، فما قصدهم إلا تعظيم الباري عزوجل من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف رضي الله عنهم.

وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين والعلم والتأله والصَّدْع بالحق، ومحاسنه كثيرة، فنعوذ بالله من الهوى والمراء والعصبية والافتراء، ونبرأ من كل مجسِّم ومعطِّل.”

قلت: تصدّي الحافظ الذهبي رحمه الله للرد على أبي المظفر في هذه المواضع المتكررة، مما يدل على غيرته لأئمة السلف، وانتصاره لهم، وإجلاله إياهم، وله من هذا في ثنايا كتبه الشيء الكثير الطيب، وقد اشتكى وتذمر من صنيعه هذا: تلميذه التاج ابن السُّبْكي الأشعري المتعصِّب، فقال: ” … وإنما ننكر وندفع من شيخنا تعرّضه كل وقتٍ لذكر العقائد، وفتحه لأبواب مقفلة، وكلامه فيما لا يدريه، … ” [16]. يقول هذا مع ما عليه شيخه الذهبي رحمه الله من العلم والإنصاف، والأدب في النقد، ومع ما يكون عنده أحياناً من التساهل في العبارة، كما في قوله هنا: “فما قصدهم إلا تعظيم الباري عزوجل من الطرفين”، وقوله: “ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة”، فهذه العبارات مما يمكن أن يدخل عليه النقد منها، لكن له في مواضع أخرى عبارات قوية وصريحة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

وفاته:

قال الحافظ أبو موسى: مرض والدي ـ رحمه الله ـ في ربيع الأول، سنة ست مئة مرضاً شديداً، منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستة عشر يوماً، وكنت كثيراً ما أسأله: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الإثنين جئت إليه، وكان عادتي أبعث من يأتي كل يوم بكرة بماء حار من الحمام يغسل به أطرافه. فلما جئنا بالماء على العادة مدَّ يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الفجر، ثم قال: يا عبد الله، قم فصل بنا وخفف، فقمت فصليت بالجماعة، وصلَّى معنا جالساً. فلما انصرف الناس جئت، فجلست عند رأسه، وقد استقبل القبلة، فقال لي: اقرأ عند رأسي سورة “يس” فقرأتها، فجعل يدعو الله وأنا أؤمن، فقلت: هاهنا دواء قد عملنا تشربه؟ فقال لي: يا بنيّ ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله تعالى. قلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى والله، أنا عنك راض، وعن إخوتك، وقد أجزت لك ولإخوتك ولابن أخيك إبراهيم.

وكان أبو موسى يقول: أوصاني أبي عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذي تعبنا عليه؛ يعني الحديث. فقلت: ما توصيني بشيء؟ قال: مالي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء. قلت: توصيني بوصية؟ قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته.

فجاء جماعة يعودونه، فسلموا عليه، فرد عليهم السلام، وجعلوا يتحدثون، ففتح عينيه، وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله تعالى، قولوا: لا إله إلا الله، فقالوها، ثم قاموا. فجعل يذكر الله، ويحرك شفتيه بذكره، ويشير بعينيه، فدخل رجل فسلم عليه، وقال له: ما تعرفني يا سيدي؟ فقال: بلى. فقمت لأُناوله كتاباً من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه، وذلك يوم الاثنين، الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول، من سنة ست مئة. وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد، واجتمع الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل، ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة، مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق في مكان ذكر لي خادمه عبد المنعم: أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكي فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبي يرتاح إلى هذا المكان، رحمه الله وعفا عنه.

كتبه:

عبد الحق التركماني

نشر في سنة : 2007


[1] مصادر ترجمته: الذهبي: سير أعلام النبلاء: 21/443 – 471 وتاريخ الإسلام: (591 – 600 هـ) رقم: 591، وابن كثير: البداية والنهاية: 13/38 – 39، وابن مفلح (884 هـ) المقصد الاحمد: 2/152، والعليميّ (928 هـ): المنهج الأحمد: 4/53.

[2] هو ضياء الدين أبو عبد الله المقدسي (643 هـ)، كتب سيرة الحافظ في جزئين.

[3] هو من تلاميذ الحافظ عبد الغني، وبه تخرّج، وكان له اعتناء بالأثر، فكان أهل البدع يؤذونه فيكشطون الدال من الأسعردي، ويعجمون السين، فيصير: الأشعري! فيغضب لذلك، توفي سنة 639 هـ رحمه الله تعالى.

[4] إلا ما كان من حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر (499 – 571 هـ) في كتابه: “المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل”، وهو خاص بشيوخ مصنّفي الكتب الستة دون الرواة الآخرين.

[5] مقدمة “الكمال” نسخة خدابخش المخطوطة، وعنها نقل أستاذنا الدكتور بشار عوّاد معروف في مقدمته لـ(تهذيب الكمال) 1/39.

[6] مقدمة “تهذيب الكمال”.

[7] أفاده أستاذنا الدكتور بشار في مقدمة السابق 1/37 – 49 في دراسة قيمة.

[8]البداية والنهاية: 13/134.

[9]لم أفهم هذه الكلمة.

[10]علق هنا أستاذنا الدكتور بشار: هكذا في الأصل، وفي الذيل لابن رجب، والظاهر أنه اسم لجماعة من أعوان الوالي من الشرطة أو الجيش (هامش السير 21/460).

[11]هذا يدل على أن افتراق الناس في المساجد على أساس المذهبية كان موجوداً في ذلك الوقت، وقبل ذلك الوقت! وقد كانت في المسجد الحرام في العصور المتأخرة أربعة محاريب للصلاة حتى أزالها قبل نحو قرن من الزمان الملك الصالح الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ووَّحد المسلمين خلف إمام واحد، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

[12]قوله: “وكفّرهم هو” يحتاج إلى اثبات صريح، ولم أجده.

[13]قوله: “خلق من العلماء” يعني في ذلك الزمان وقد صار الإسلام الصحيح غريباً، وإلا فإن اثبات الصفات هو مذهب الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة الحديث والفقه والتفسير، ولم يخالفهم في القرون الأولى إلا: “خلق من المبتدعين”.

[14]ذيل طبقات الحنابة: 2/24.

[15]توفي سنة (654 هـ)، وقد تكلم عليه جرحاً شيخ الإسلام رحمه الله في “منهاج السنة”.

[16]طبقات الشافعية الكبرى: 7/134.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد