موقع الشيخ عبد الحق التركماني - ليس الدين لمن غلب

/ 21 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

ليس الدين لمن غلب

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 1 يوليو 2007 192

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

يقول المحدِّث الكبير عبد الرزاق بن همَّام الصنعانيُّ رحمه الله: قال لي إبراهيم بن أبي يحيى: إني أرى المعتزلة عندكم كثيراً!! قلتُ: نعم، وهم يزعمون أنك منهم. قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك؟ قلت: لا. قال: لِمَ؟! قلتُ: لأن القلبَ ضعيف، وإن الدينَ ليس لمن غلبَ [1].

هذه الكلمة من هذا الإمام الجليل ليست تعليقاً عابراً، بل هي قاعدة جليلة، ومنهج ثابت سار عليه الأوَّلون، من هُديَ إليه ـ خاصةً في هذه الأزمان التي تتجاذب فيها الشبابَ المسلم الجماعاتُ المفرّقة للصف الإسلامي ـ فقد هُدى إلى خير كثير.

نعم: (ليس الدين لمن غلب)؛ ذلك لأن الدين هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأخبار والأوامر والنواهي، فمن قابل خبر الرسول صلى الله عليه وسلم باليقين الثابت، والتصديق الجازم، وامتثل بما أمر به، وانتهى عما نهى عنه، متقيداً في كل ذلك بفهم وعلم وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين من أهل القرون الثلاثة الممتدَحَةِ، لأنهم الامتداد الطبيعي والترجمة الحقيقية لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وتربيته الرانية الموفَّقة: فذلك الذي أسلم وجهه لله تعالى، واتبع سبيل المؤمنين.

ثم قد يكون المسلم ـ بعد ذلك ـ عاجزاً عن ردّ شبه المبطلين، ضعيفاً في البيان، متلكأً في سرد الحجج، فحسبه تمسكه بكتاب ربّه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعضُّه عليها بالنواجذ و{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فليتحيَّز إلى أئمة الدين، وعلماء الأمة، رؤوس الفرق الناجية، والطائفة الظاهرة المنصورة، فإنهم فِئَتُه، وقد كتب الله لهم الغلبة والظهور بالعلم والحجة والبيان في كل وقتٍ إلى أن تقوم الساعة، أما الظهور بالسيف والسِّنان فمرتبطٌ بإرادة الله تعالى وحكمته الكونية القدرية: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

ومن هنا كان أهل السنة والجماعة ـ أهل الحديث والأثر ـ أسعد الناس بالحق والصواب، خاصَّتُهم وعامَّتُهم في ذلك سواء، لأنهم ـ لشدّة تحريهم للسنة، وتتبعهم للآثار، وسَيْرهم على نهج السلف الصالح ـ وُفقوا إلى ما هو حقٌّ وصوابٌ في نفسه، وإن كان بُسَطائهم وعوامُّهم لا يمكنهم أن يقيموا حجة، أو يردّوا شبهة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “ولأهل الحديث من المزية: أن ما يقولونه من الكلام ـ الذي لا يفهمه بعضهم ـ هو كلام في نفسه حق، وقد آمنوا بذلك”[2]. ولهذا كانوا: “أعظم الناس علماً ويقيناً وطمأنينةً وسكينةً، وهم الذين يعلمون ويعلمون أنهم يعلمون، وهم بالحق يوقنون لا يشكُّون ولا يمترون. فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى: فأمرٌ يجلُّ عن الوصف، ولكن: عند عوامهم من اليقين، والعلم والنافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة المتكلمين، وهذا ظاهر مشهود لكل أحدٍ. غاية ما يقوله أحدهم: أنهم جزموا بغير دليلٍ، وصمموا بغير حجةٍ، وإنما معهم التقليد. وهذا القدر قد يكون في كثير من العامة، لكن جزم العلم غير جزم الهوى، فالجازم بغير علمٍ يجد من نفسه أنه غير عالمٍ بما جزم به، والجازم بعلمٍ يجد من نفسه أنه عالم، اذ كون الإنسان عالماً وغير عالمٍ مثل كونه: محبًا ومبغضًا، ومريدًا وكارهًا، ومسرورًا ومحزونًا، ومنعمًا ومعذبًا، وغير ذلك، ومن شك في كونه يعلم ـ مع كونه يعلم ـ فهو بمنزلة من جزم بأنه عَلِمَ وهو لا يعلم، وذلك نظير من شكَّ في كونه سمع ورأى، أو جزم بأنه سمع ورأى ما لم يسمعه ويراه”[3].

أما المبتدعة من أهل الكلام والفلسفة والرفض والتصوف ـ وأفراخهم في هذه الأزمان من العصرانيين والعقلايين وعبيد الحزبية البغيضة ـ فإنهم محرومون من العلم الصحيح النافع، بل غاية ما عندهم شبه، وحجج يسمُّونها: عقليات، وهي: جهليات، وإفرازات “فكرٍ” مريض بالانهزامية أمام الفلسلفات الوافدة، والمدنية الغربية الزائفة.

وآيةُ ذلك: “أنك تجدهم أعظم الناس شكاً واضطراباً، وأضعف الناس علماً ويقيناً، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم ويشهده الناس منهم… وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقَدْح والجدل، ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلمٍ، ولا فيه منفعة، وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العاميّ، وإنما العلم في جواب السؤال، ولهذا تجد غالب حججهم تتكافَؤُ، إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر. ولهذا أنشد الخطَّابي رحمه الله:

حجج تهافت كالزجاج تخالها *** حقًّا وكلٌّ كاسرٌ مكسور

فإذا كانت هذه حال حججهم فأيُّ لغوٍ باطلٍ وحشوٍ يكون أعظم من هذا؟!”[4].

ولهذا تجد هؤلاء يفنون أعمارهم في دراسة كتب الفلسفة والمنطق والجدل، وتعلّم أساليب التلاعب في الألفاظ، وقد خَبَرْناهم في زماننا هذا عاكفين على كتب علْمَي النفس والاجتماع، ومذكرات السياسيين وغيرهم، ثم فزعوا أخيرًا إلى كتب الإدارة والأخلاق النفعية والبرمجة العصبية؛ يظنون أن الغلبة والظهور سيكون لهم إذا ما أحكموا وسائل الاستحواذ على الناس، ذلك لأن الدين ـ عندهم ـ لمن غلب، فهم يريدون الغلبة ولو بالباطل.

ومن أساليب هؤلاء: نشر الإشاعات الكاذبة، وإثارة مشاعر العامة، والتهريج في المساجد ومجامع الناس، وهم في ذلك على نهج شيخهم القديم: بشر بن غيّاث المريسي المعتزلي (218 هـ)، فقد كان يحضر مجلس أبي يوسف القاضي رحمه الله، فيصيحُ ويَسْتغيثُ! فقال له أبو يوسف ـ مرةً ـ: لا تنتهي أو تفسد خشبةً. يعني: وتصلب!

وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله حاله خيرَ وصفٍ، فقال: “ما كان صاحبَ حججٍ، بل صاحبَ خُطبٍ”[5] فهؤلاء هم قطاع الطرق إلى الله تعالى، يبهرون عوام الناس وبسطائهم بخطبهم الرنانة، وكلماتهم المجملة الفضفاضة، وبيانهم الساحر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من البيان لَسِحْراً”[6]. قال صعصعة بن صوحان: صدق نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم! فالرجل يكون عليه الحقُّ وهو ألحنُ بالحججِ من صاحب الحقِّ فيسحرُ القومَ ببيانه فيذهب بالحقِّ.[7] ويشهد لهذا المعنى حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو ليتركها”[8] وهذا الحديث ـ في حقِّه صلى الله عليه وسلم ـ خاصٌّ فيما كان يقضي به بين الناس، “فربما أداه اجتهاده إلى أمرٍ فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع لم يقرَّ عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته”[9]، أما المسائل الدينية الشرعية فعِلْمُه بها يقينيّ قطعيّ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 – 4].

ومن فوائد أثر عبد الرزاق رحمه الله: تجنب الدخول مع أهل البدع في جدلٍ بيزنطيٍّ عقيم، وهو منهج سلفي قويم، لشرحه مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى، وإنما اكتفي هنا بذكر ما حدّث به عبد الله بن صالح، كاتب الليث رحمهما الله، قال: كنا عند الشافعي رحمه الله في مجلسه، فجعل يتكلم في تثبيت خبر الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكتبناه، وذهبنا به إلى إبراهيم بن عُلَيَّة، وكان من غلمان أبي بكر الاصم[10] ـ وكان مجلسه بمصر عند باب الضَّوالِّ ـ فلما قرأنا عليه جعل يحتجُّ بإبطاله، فكتبنا ما قال، وذهبنا به إلى الشافعي، فنقضه، وتكلم بإبطاله، ثم كتبناه، وجئنا به إلى ابن علية، فنقضه، ثم جئنا به إلى الشافعي، فقال: إنَّ ابن علية ضال، قد جلس بباب الضَّوالِّ يضلُّ الناس[11].

فتأمل صنيع الإمام الشافعي رحمه الله، كيف لم يسترسل ـ على جلالة قدره، وسعة علمه، وقوة حجته ـ في نقض شبهات هذا المبتدع، بل اكتفى بالتنبيه إلى حقيقة أمره، حتى لا يغترَّ به من يمكن أن يغترَّ به ممن لم يرسخ قدمه في العلم والمنهج السلفي.

آمل أن لا يُفهم مما كتبته هنا؛ أنني أدعو إلى الركون إلى التقليد، وعدم الأخذ بأسباب الحجة والبيان، فما هذا أردتُ، ولا شك أن استخدام العلوم اللسانية والعقلية والإنسانية ـ ضمن الضوابط الشرعية ـ ممن هم أهل لذلك، يمكن أن يخدم المنهج الحق. إنما أردتُ أن أقول لإخواننا الذين هم على منهج السلف الصالح وفي صفِّ علماء الأمة: اطمئِنُّوا، فإنكم على المحجَّة البيضاء، فلا يزيغنَّكم عنها المهلكون!

وقد ابتليت الأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة بالانفتاح الإعلامي، والانفجار المعلوماتي، وفزعَ الدعاة إلى أبواب جهنم من شراذم الفرق، والإسلاميون الحركيون إلى القنوات الفضائية، ومواقع الانترنت؛ يروجون لبضاعتهم بطريق المغالبة، بالفكر والسياسة، والثقافة العامة، وأساليب الاستحواذ من فنون الإدارة والإلقاء والتأثير، يتصدَّرهم القُصَّاص ووعَّاظ الفضائيات، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويفتنون الناس عن دين ربِّهم؛ بالتدليس والتلبيس والتنكيس… وليس لعوام أهل السنة ومن في حكمهم من المثقفين والمتعلمين منجاةٌ من هذه النازلة المدلهمَّة إلا بالثبات على منهاج السنة، وتحرِّي ما كان عليه السلف الصالح، والرجوع إلى علماء الأمة الربانيين؛ بالأخذ عنهم، والالتفاف حولهم، والإعراض عن بهرج أولئك المفسدين في الأرض، وعدم الالتفات إلى شبهاتهم ومشتبهاتهم، وعدم الاغترار بأساليبهم الإعلامية في تسويق باطلهم، ويكفيهم ـ في الاعتقاد والقول والعمل ـ الرضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا ونبيًّا؛ فمن حقَّق هذا وثبت عليه ذاق طعم الإيمان، ودخل الجنَّة ـ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ـ، وبالله التوفيق، ومنه العون والتثبيت.

كتبه:

عبد الحق التركماني

نشر في سنة : 2007


[1]أخرجه اللالكائي في: “شرح أصول أهل السنة والجماعة” (رقم: 249).

[2]مجموع الفتاوى: 4/25.

[3]نفسه: 4/27 – 29.

[4]نفسه: 4/27 – 29.

[5]سير أعلام النبلاء: 10/202.

[6]أخرجه البخاري.

[7]أخرجه أبو داود (5012).

[8]أخرجه البخاري (7181).

[9]فتح الباري: 13/217.

[10]يعني: من تلاميذه، والأصم كان من أئمة المعتزلة في زمانه.

[11]سير أعلام النبلاء: 10/23 – 24.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد