موقع الشيخ عبد الحق التركماني - مخالفة الشريعة من العمليات الانتحارية إلى الانتحار

/ 21 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

مخالفة الشريعة من العمليات الانتحارية إلى الانتحار

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 23 يناير 2011 283

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: (إنَّ الله تعالى ذِكْرُه لم يُرخِّصْ لأحدٍ في قتل نفسه بحالٍ).

كانت العمليات الانتحارية في فلسطين المحتلة مثل الصدمات الكهربائية المفاجئة لأعداء الله المعتدين الغاصبين، لهذا كانت فرحتنا بها محدودة بلحظتها، فالمرء يفرحُ بأي نكاية تقع فيهم، وإن لم يكن في الوسائل ما يوافق شرع الله، لكن الإسلاميين الحركيين أبوا إلا المبالغة في الوسيلة غير الشرعية، فزعموا أنها أعظم صور الجهاد، وأعلى مراتب الشهادة، وأسمى درجات التضحية ـ وقد جمعت نماذج من مبالغاتهم في مقالة سابقة ـ، كما بالغوا في النتائج وضخَّموها، فزعموا أنها تدفع بالدولة اللقيطة إلى الهاوية اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وأن مئات الآلاف من اليهود بدؤوا بالخطوات الفعلية للهجرة إلى أوروبا وأمريكا، لينجوا بجلدهم! وكانت نتيجة تلك المبالغات أن صدَّق الشباب المسلم أكذوبة أن العمليات الانتحارية يمكن أن تكسر عدوًّا، أو تحقِّق نصرًا، كما صدَّق أنها أقصر الطرق إلى الجنة ونعيمها؛ فانتشرت العمليات الانتحارية في العالم كله، وصار الشاب المسلم يفجر نفسه لأدنى سبب وأتفه هدف، بل بلا سبب وبلا هدف، وبلا قدوة إلا الوثنيين اليابانيين والفيتناميين! أما القضية الفلسطينية ـ نفسها ـ فانتهت إلى ما انتهت إليه اليوم: جدار عازل، وحصار، وحواجز، واستيطان، وقتل وتشريد وتدمير يومي!

نحن اليوم أمام نازلة جديدة، وهي الانتحار.. نعم؛ الانتحار بسبب البطالة والفقر والشعور بالفشل والإحباط، أو من أجل الحرية أو فرض وجهة نظرٍ ما! والانتحار لهذه الأسباب أو غيرها موجود منذ قديم الزمان، لكننا اليوم أمام ظاهرة عامة، وسلوك اجتماعي، يأتي في سياق جمعيٍّ للنضال والتضحية من أجل الحريات والحقوق ـ بزعمهم ـ!

يمكن عدُّ الشاب التونسي محمد البوعزيزي أول من وقعت بصنيعته هذه النازلة في أهل الإسلام والسنة، فقد قام يوم الجمعة 17 ديسمبر/كانون الأول عام 2010م بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد بتونس، احتجاجًا على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بوزيد لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق شرطية صفعته أمام الملأ، وأعقبت ذلك انتفاضة شعبية دامت قرابة الشهر أطاحت برئيس الدولة، وذلك يوم الجمعة 14 من كانون الثاني/يناير. أما محمد البوعزيزي فقد توفي قبل ذلك، في يوم الثلاثاء 4 يناير/كانون الثاني عن عمر (26) سنة متأثرًا بالحروق الشديدة التي أصيب بها.

لا شكَّ أن حادثة البوعزيزي من أهم أسباب الانتفاضة التونسية، ولا شكَّ ـ أيضًا ـ أن المرء قد يرضى بنتائج هذه الثورة، وإن لم يرضَ ديانةً بوسائلها وتفاصيل وقائعها. رغم هذا كله؛ فلا يجوز مطلقًا أن تحكم المسلمَ الوقائعُ المتغيِّرة، والمشاعر والانفعالات ولا النتائج الآنية، بل يجب أن يضبط فهمه وقوله وسلوكه بأحكام الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح وأئمة الإسلام، فالانتحار كبيرةٌ من أعظم كبائر الذنوب، ومن بادر إلى قتل نفسه فقد فوَّت عليها فرصة التوبة والاستعتاب، وليس ثمة خسارة أعظم من هذا. ويرى بعض العلماء ـ وهو قول وجيه تؤيده ظواهر الأدلة ـ أن نفس الفعل كفرٌ أكبرُ، وخروج من دائرة الإسلام، لأنه لا ينتحر إلا وهو ساخط على ربِّه، لكن لا يمكن الحكم على منتحرٍ بعينه بالكفر الأكبر، لأنا لا ندري ما الذي حمله على ما فعل، فقد يكون مختلاً عقليًّا، أو فاقدًا لوعيه، لهذا يعامل معاملة المسلمين، فيصلَّى عليه، ويدفن في مقابرهم، وأمره إلى الله تعالى.

فمن كان هذا حاله وحكمه: فلا يجوز لأحدٍ أن يحسِّن فعله، أو يسوِّغ تصرفه، أو يعدَّه بطلاً شجاعًا، أو مناضلاً ضحَّى في سبيل الحرية والحقوق والوطن! فإنه لا يخلو أن يكون انتحر لغياب عقله واضطراب نفسه، فهو في عداد المجانين، والمجنون لا يصلح أن يكون بطلاً قوميًّا، ولا رمزًا وطنيًّا! أو يكون أقدم على الانتحار بعلم وقصد واختيار؛ فقد أهلك نفسه، ولم يفعل ذلك إلا لقلة صبره، واعوجاج فكره، وضعف عقله، وليأسه وقنوطه وهوان نفسه عليه، فليس هو بأهل لتعظيم ولا لتكريم!

وقد كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو الأسوة والقدوة لكل عالم وفقيه وداعٍ إلى الله ـ في معالجة هذه الظاهرة واضحًا وحازمًا، يمكن تلخيصه فيما يلي:

أولاً: التأكيد على تحريم الانتحار لأي سببٍ، والترهيب من الإقدام عليه ببيان مفصَّل، وأساليب بلاغية، تروع مشاعر السامع، و تترك أثرًا قويًّا في عقله وقلبه، فقد كان يكفيه أن يقول: (إن قتل الإنسان نفسه حرام)، لكنه قال صلى الله عليه وسلم بوحيٍ من ربِّه: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ؛ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ؛ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» أخرجه البخاريُّ (5778)، ومسلمٌ (109).

وقال صلى الله عليه وسلم: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ؛ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا؛ يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ» البخاري (1365).

وقال صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا؛ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» البخاريُّ (6047)، ومسلم (110).

وقالَ صلى الله عليه وسلم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ؛ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ الله تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ؛ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» البخاريُّ (3463)، ومسلم (113).

ثانيًا: الامتناع عن الصلاة عليه، تحذيرًا للأحياء من ارتكاب ما ارتكبه وعبرةً لهم: أخرج مسلم (978) وأبو داود (3185) عن جابر بن سَمُرةَ، قالَ: مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ؟» قَالَ: رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ مَعَه.ُ قَالَ: «أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: «إِذًا لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ». لهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يُصلِّي الإمامُ على قاتل نفسه، ويصلِّي الناسُ عليه.

ثالثًا: التشهير في ميدان الجهاد بقاتل نفسه، وفضح حاله، وذم مآله، وإن ألجأه إلى الانتحار شدَّة آلام جراحات القتال في سبيل الله! فعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه؛ قالَ: شَهِدْنَا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ؛ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله! الَّذِي قُلْتَ لَهُ: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ!؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَى النَّارِ». فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ؛ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا؛ فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ (وفي روايةٍ: فانْتحرَ بها)، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَدَّقَ الله حَدِيثَكَ، قد انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ! فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «الله أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالنَّاسِ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ الله لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» البخاري (3062) ومسلم (111). ولهذا الحديث شواهد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم.

أقول: لا أحسبني قد أتيتُ بجديد فيما ذكرته أعلاه، فتحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه كبيرة من أعظم الكبائر: معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وعلمنا به مثل علمنا بأن الله ربنا، والإسلام ديننا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبينا؛ ولا فرق. لكن مما آلمني أشدَّ الألم أن أجدَ في عبارات بعض مشاهير الدعاة الإسلاميين ما يُعطي انطباعًا بتسويغ هذه الفعلة الشنعاء والجريمة النكراء من بعض الوجوه، مع تنبيههم أن الانتحار حرام وكبيرة، وهذا ليس فيه كبير فائدة، فهو متقرِّر عند كل مسلم، ومن يقل بحلِّه فليس بمسلم! وإنما الواجب على أهل العلم وطلابه والمتصدرين للدعوة أن يبيِّنوا ـ بمناسبة هذه النازلة الطامة، والمصيبة العامة ـ بيانًا جليًّا واضحًا حكم الله التفصيلي في هذا الفعل ـ كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله ـ، ويحذِّروا تحذيرًا بليغًا من الإقدام عليه أو تسويغه أو التهوين من خطورته، ولو كان فيه سقوط ألف طاغية! فإن لم يفعلوا ذلك فليستعدوا لانتشار (ظاهرة الانتحار) في أرجاء العالم الإسلامي ـ كما انتشرت من قبلُ العمليات الانتحارية بفضل خطابهم الحركي، ولا فخرَ! ـ، فليتحمَّلوا مسؤوليته أمام الله عز وجل، ثم أمام الناس والتاريخ. وأولهم في ذلك الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ـ أصلحه الله وهداه للحق ـ فقد شارك في قناة (الجزيرة) مساء الأحد 16/1/2011 بكلمة عن تونس، فكان يمكنه أن يتجاهل ذاك المنتحر، لكنه أبى إلا أن يُلفت الانتباه إليه، ويرفع من شأنه، فيبعث إليه بالتحية، وهذا نص كلامه:

(نحيي الشعب التونسي الذي ضرب المثل لغيره من المظلومين والمسحوقين، وبعد هذه التحية: أحيي هذا الشاب الذي ضحَّى بنفسه محمد البوعزيزي، أحيي هذا الشاب، وأدعو الشعب التونسي، وأدعو المسلمين معي: أن يشفعوا عند الله أن يعفوا الله عنه، وأن يغفر له، فقد ارتكب في نظر الإسلام كبيرة من الكبائر، وهي قتل النفس: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا}، ولكنه أشعل الأمة كلها بهذا الانتحار. فنحن نشفع إلى الله، ونتضرع إلى الله، أن يعفوا عنه، ويغفر له)! انتهى.

فإذا كان رئيس (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) ـ بزعم مؤسِّسيه! ـ يبعث بالتحية الدالة على الاحترام والتقدير والاعتزاز إلى منتحرٍ، ويدَّعي زورًا أنه (ضحَّى بنفسه) ـ مع أنه لم تكن يومها انتفاضةٌ ولا ثورةٌ، ولم يكن يعلم هو بنتائج فعله، بل انتحر يائسًا بائسًا ـ، ويدعو المسلمين كلهم إلى الدعاء له بالعفو والمعفرة؛ فأي شرفٍ أعلى من هذا، وأي مكرمة أجل من هذه من (الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين) لقاتل نفسه!!

وفي الاستشهاد بالشيخ القرضاوي غنية عن الاستشهاد بغيره، وهم كثر قد ملؤوا صفحات الانترنت بكلمات الإعجاب والتقدير والتبجيل لذلك المنتحر، والمبالغة في أثر انتحاره على النتيجة التي تحققت، وتلك دعوى عريضة ومجازفة بالغة، قد عبَّر عنها إبراهيم بن عبد الرحمن التركي (المشرف العام على موقع المختصر)، في مقاله: (بائع متجول يطيح بالطاغية بنعلي) فقال: (محمد بوعزيزي شاب من ولاية بوزيد في تونس، منع من بيع الخضار بعربته المتجولة فأحرق نفسه أمام مقر الولاية احتجاجًا، وأصيب بحروق شديدة وتوفي بعد عدة أيام رحمه الله وغفر له كبيرته وحشره مع غلام الأخدود. لتشتعل بعد ذلك تونس بدء من مدينته بوزيد وتسقط بن علي من عرش طغيانه (فاعتبروا يا أولي الأبصار) من الشعوب والحكام)!!

سبحان الله! مرتكب كبيرة الانتحار من أجل الدنيا باختياره وفعله ساخطًا على قدر الله؛ يُحشر مع غلام الأخدود الذي قُتل ظلمًا وعدوانًا، من أجل الدِّين لا الدنيا؟ أين عقولكم أيها المنتسبون إلى العلم والدعوة! وهل الخروج والثورة من منهج أهل الإسلام والسنة؟ وأين أنتم من عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر والصبر على الفقر والجوع والمرض، وعدم دفعه أو رفعه إلا بالأسباب والوسائل المشروعة حسب الطاقة والاستطاعة، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها؟!

فأقول للقرضاوي والتركي ومن سار على نهجهما في تناول هذه القضية: اهنؤُوا بهذه الحصيلة الأولى ـ نقلاً عن موقع ويكيبيديا ـ، (والطابور طويل):

1- طالب تونسي بمعهد الوفاء، آريانة، تونس 5/1/2011.

2- محسن بوطرفيف، بوخضرة، الجزائر، السبت 15 يناير 2011، توفي الأحد 16/1/2011.

3- عويشية محمد، برج منايل، الجزائر، السبت 15 يناير 2011.

4- بوبكر بويدن، جيجل، الجزائر، السبت 15 يناير 2011.

5- معامير لطفي، الوادي، الجزائر، الأحد 16 يناير 2011.

6- سنوسي توات، مستغانم، الجزائر، الأحد 16 يناير 2011.

7- يعقوب ولد دحود، تجكجة، موريتانيا، الاثنين 17 يناير 2011، توفي السبت 22 يناير 2011.

8- عبده عبد المنعم حمادة، القنطرة، مصر، الاثنين 17 يناير 2011.

9- طالب فرنسي، مارسيليا، الاثنين 18 يناير 2011.

10- محمد فاروق حسن، القاهرة، الثلاثاء 18 يناير 2011.

11- د علي، القاهرة، الثلاثاء 18 يناير 2011.

12- أحمد هاشم السيد، الإسكندرية، الثلاثاء 18 يناير 2011، توفي الثلاثاء 18 يناير 2011.

13- محمد عاشور سرور، القاهرة الثلاثاء 18 يناير 2011.

14- سليم عبد الله العمراني، البيضاء، اليمن، الأربعاء 19 يناير 2011.

15- حازم عبد الفتاح، القاهرة الأربعاء 19 يناير 2011.

16- مواطن سعودي، منطقة جازان السبت 22 يناير 2011 توفي السبت 22 يناير 2011.

17- مواطن مغربي، وسط المغرب.

18- مواطن مغربي، الصحراء الغربية.

19- مواطن مغربي.

20- مواطن سوداني، أم درمان 22/1/20100

كتبتُ هذه الكلمات قبل أيام، واضطررت اليوم إلى تحديث قائمة المنتحرين، ووقفت أثناء ذلك على ما زاد أسفي وحزني على الحال التي تردَّى إليها الخطاب الإسلامي المعاصر، فبعض خطباء الجمعة ـ منهم خطيب مسجد القيروان ـ وصفوا البوعزيزي بـ: (الشهيد)! وأطلقت قناة المستقلة الفضائية مشروع جمع التبرعات لبناء مستشفى في مدينة سيدي بوزيد ومسجدًا جامعًا يحملان اسم (الشهيد محمد البوعزيزي)! ولعلَّ هذا الاندفاع (الجنوني) في تمجيد منتحر هو الذي دفع شيخ الأزهر إلى إصدار تصريح مقتضب وخجول في التحذير من الانتحار، وشاركه في ذلك بعض العلماء، وهنا انتفض الكاتب الحركي المعروف جمال سلطان إلى كتابة مقالة (مشتعلة) بعنوان: (فتاوى كهنة الاستبداد)، شن فيها هجومًا غوغائيًّا ظالمًا على الذين نبَّهوا إلى تحريم الانتحار، ورماهم بالنفاق، بل كاد أن يصرح بكفرهم فقال: (وما قاله بعض المنتسبين إلى الأزهر هو تدليس ونفاق سياسي لا شأن له بالدين ، ومن يشغلون الناس طويلاً بهذه الجزئية هم عار على الإسلام والمسلمين، والله ورسوله وأمة الإسلام منهم براء)!! ثم حاول أن يسوِّغ هذه الظاهرة الجديدة، ويجد لها مخرجًا فقال فقيه زمانه: (وإن كنت أتحفَّظ على تكييف مسألة إشعال النار في جزء من الجسد أو الثياب كانتحار)! ثم شرع في توضيح (التكييف الفقهي الأصولي) فقال: (من أشعلوا النار في أنفسهم لم يقدموا على الموت في الحقيقة، وإنما كانوا يبحثون عن الحياة، لكنها الحياة الحرة الكريمة، فقصدوا إثارة الانتباه إلى مظالمهم، ولم يكن من الحتم أن يموتوا وإن أصيبوا بأضرار، وهم أشبه بمن يضربون عن الطعام حتى الموت احتجاجًا على الظلم والقمع داخل السجون والمعتقلات أو خارجها، وقد رأيت عشرات من قيادات العمل الإسلامي ودعاة وطلبة علم وهم يلجؤون إلى هذا السلوك للثورة على الظلم، فالنية والقصد جزء من الحكم على هذه المسألة، لأن مجرد إشعال النار في جزء من الجسد أو الثياب ليس دليلاً قطعيًّا على الانتحار، وقد مات واحد فقط من بين ستة أشعلوا النار في أنفسهم، فلا يحق لأحد توصيف حالة بعينها على أنها انتحار طالما لم يقطع بنية صاحبها وما انعقد عليه قلبه، وأمره موكول إلى خالقه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).

لا حول ولا قوة إلا بالله، واللهِ إني لا أكاد أصدق أن هذا كلام مثقف مسلم له مشاركة في دراسة معتقد أهل الإسلام والسنة؟ يُجهد نفسه في إيجاد مسوِّغ لمن يحاولون الانتحار، وهو يعلم جيدًا أنهم لا يفعلون ذلك إلا سخطًا على أوضاعهم المعيشية، وهل للانتحار معنًى غير هذا؟ ومتى كانت النية والقصد مسوِّغًا لارتكاب محرم في شريعة الإسلام؟ أوليس لكل منتحر رسالة يريد تبليغها للأحياء يرى أنه عجز عن تبليغها بغير وسيلة الانتحار؟ فهل يمكن أن يعذر بذلك؟ إذن لأمكن عذر كل منتحر!

أما ادعاؤه أنه لم يكن من الحتم أن يموتوا؛ فنعم، لأن الأعمار بيد الله وحده، لكن الإنسان يحاسب على الفعل الذي شرع فيه بإرادة جازمة، ويؤاخذ بما تقتضيه الأسباب المادية المعهودة للبشر، فإن لم تتحقق النتيجة لعارض خارج عن إرادته لم يسقط الإثم عنه، ولم يسلم من الذَّم والتجريم، وهذا مقرر في كتب الأصول.

أما قياسه الانتحار الصريح بالإضراب عن الطعام، فهو قياس محرم بمحرم، والإضراب السياسي عن الطعام ليس من سنة المسلمين وإن فعله بعض الإسلاميين، وهو أيضًا قياس مع الفارق، فإن الجوع مما يمكن أن يتحكم الإنسان في مقداره، فإذا اشتد عليه، وغلب على ظنه أنه يضره: يستطيع أن يدفعه بشراب أو طعام، وهذا مثل الصيام، فإن الإنسان المريض الضعيف قد يصوم، فإذا شعر بأن الصيام يضره أفطر، وإن ظنَّ أن في تماديه على الصوم هلاكه وجب عليه ـ كما قال الفقهاء ـ أن يفطر، وإلا فإن مات فهو قاتل نفسه. أما إذا أشعل النار في جسده فإنه لا يستطيع السيطرة على النار وآثارها، بل لا يستطيع ـ في العادة ـ أن يطفئها إلا بمساعدة آخرين، فتبيَّن الفارق بين الأمرين.

أما ما ذكره عن نية المنتحر وقصده، فهذا أمره إلى الله تعالى، ولكن من المعلوم من ديننا بالضرورة: أن النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد، فالواجب علينا الحكم على ظاهر فعله، فإن أوجب فعله الحكم عليه بالكفر أو الفسوق أو البدعة؛ يحكم عليه بحسب ذلك ديانةً وقضاءً، وأمره إلى الله تعالى، ومن القواعد الأصولية المعروفة ـ وليس بحديث ـ: (نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر). قال الشاطبي في (الموافقات): (فإن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا أيضًا، فإن سيد البشر صلى الله عليه وسلم مع إعلامه بالوحي يُجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه).

ففي التوقف عن الحكم على ظواهر الأفعال حتى يتم الكشف عن بواطن النيات: إبطال للشريعة، ونقض لأحكام القضاء، وفيه تجريء الناس على موبقات الأقوال والأفعال ما دامت النيات سليمة، والمقاصد شريفة!

وأخيرًا: فقد أصدر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي يوم الأربعاء 19/1/2011 توضيحًا حول موقفه من ظاهرة الانتحار، نشر في موقعه الرسمي بعنوان: (تصحيح لازم)، وقد كنا نرجو أن يكون (تصحيحًا) حقيقيًّا، فإذا بالشيخ الذي اضطر إلى التحذير من الانتحار بعد أن تحولت إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة، يعود مجدَّدًا إلى وصف المنتحر البوعزيزي بـ: (الشاب التونسي الحر الكريم، الذي أحرق نفسه)! وإلى تلك الدعوى العريضة بأن: (إحراقه نفسه الشرارة التي أشعلت الثورة العظيمة في الشعب التونسي الذي استجاب له، وانتقلت من مدينة إلى أخرى، ومن ولاية إلى ولاية، ومن فئة إلى أخرى، حتى تحولت تونس الخضراء إلى شعلة حمراء، التهمت نارها الطغاة والظالمين). وهذا الإطلاق باطل، بل كانت لتلك الثورة جملة من الأسباب، وكان انتحار البوعزيزي واحدًا منها.

وليعلم أنني بما كتبته هنا لا أريد توجيه الإدانة والاحتقار لمحمد البوعزيزي، بل بيان وتوضيح الحكم الشرعي فيه بنصوص الكتاب والسنة وإجماع فقهاء الأمة ـ تنبيهًا للأحياء، وتذكيرًا لهم ـ: فهو منتحر، قد بادر إلى قتل نفسه، فارتكب كبيرة من أعظم الموبقات، ولا نعلم بما كان عليه من الدين والمعتقد، لكن الأصل فيه أنه مسلم، فهو تحت الوعيد، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، ولا يجوز قطعًا أن يوصف بالشهيد، ولا أن يمدح أو يثنى عليه، بله أن يوصف بالبطولة والتضحية والإقدام، كما لا يجوز الدعاء له بما يدل على تهوين فعلته أو تسويغه أو تشجيع الآخرين عليه، خاصة في وسائل الإعلام، ولكن يُدعى له في السِّرِّ بأن يغفر الله له ويتجاوز عنه، وهذا ما نفعله، وهو منهج أهل السنة والجماعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن مات وكان لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليه عقوبةً ونكالاً لأمثاله، لتركه صلى الله عليه وسلم الصلاة على القاتل نفسه، وعلى الغال والمدين الذي له وفاء، ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس).

قلت: وهذا مقتضى العقل أيضًا، ففيه ضمانة لسلامة الوعي الاجتماعي، والسلوك الإنساني العام. ولله الأمر من قبل ومن بعدُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كتبه:

عبد الحق التركماني

2011/1/23

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد