/ 24 أكتوبر 2020

للتواصل 00447432020200

بدعة أطلَّتْ برأسها: صلاة الفُجَاءة Flash Prayer!

نشرت بواسطة : إدارة الموقع 02/01/2012 43

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد ورد إليَّ من الإخوة الأفاضل في المركز الإسلامي بمدينة لوتن البريطانية مسألة حول بدعة جديدة أطلَّت برأسها، فرأيتُ أن أجوِّد الجواب عليها، وأبتدأ ذلك بإيراد رسالتهم ـ وفقهم الله ـ بتمامها، وهي ـ بعد الاستفتاح ـ:

(نودُّ أن نستفتي فضيلتكم في مسألة تهمُّ المسلمين في بريطانية, حيث أن هناك مجموعة تدعو إلى إقامة صلاةٍ تسمَّى: صلاة الفُجاءة، وتفاصيلها: أنَّهم قاموا بالدعوة إلى أن يقوم المسلمون في أغلب المدن في بريطانية إلى التجمع في مكانٍ محدَّدٍ ـ كالسوق التجاري ـ, وأن يصلوا صلاة محدَّدةً ـ كالعصر مثلاً ـ، في وقتٍ واحدٍ، في تلك الأماكن المحدَّدة، وفي يومٍ واحدٍ, واختاروا يوم الأول من السنة الميلادية لهذا العام (2012). وقد بذلوا جهدًا عظيمًا في الترويج والإعلان لهذا الأمر، واستخدموا كلَّ وسائل التقنية الحديثة من هواتف وإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وكانوا يتوقَّعون حضور حوالي خمسة آلاف شخص، ويتطلعون إلى أن يصل العدد إلى عشرة آلاف. وقد قاموا بهذه الصلاة فعلاً هذا اليوم الأحد (1/1/2012م) ـ الذي يوافق احتفال غير المسلمين بالسنة الميلادية الجديدة ـ في أكثر من مدينة، ويقولون: إن سبب اختيارهم لهذا اليوم بالذات أنه رغبة منهم في إعلان عام (2012) عامَ صلاة الجماعة في بريطانية. واستخدموا في إعلانهم عن هذه الصلاة كلمة (فلاش) بالإنجليزية المرتبطة بالرقص والمظاهرات، وأي شيء يظهر فجاءة، ويختفي فجاءة، وقالوا: إن الأهداف من هذه الصلاة هي:

(1) الدعوة إلى الله تعالى.

(2) اتحاد الأمة.

(3) جعل هذا العام عام صلاة الجماعة.

(4) مناسبة للترويح عن الشباب.

ونحن نخشى أن تؤثِّر هذه الحركةُُ على دور المسجد في هذا اليوم، حيث أنَّ بعض من يغترُّ بقولهم قد يذهب إلى المكان المحدَّد من قبلهم، ويترك المسجد، وكذلك أن يفضي هذا العمل إلى محدثات أخرى.

وبناءً على ما تقدم فإننا نستفتيكم في هذا الأمر هل هو موافق للشرع أم لا؟ وهل يعتبر هذا العمل من محدثات الأمور التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم؟ افتونا مأجورين).

أقول ـ مستعينًا بالله تعالى ـ: إنَّ هذا العمل من البدع الشنيعة التي يجبُ إنكارها، وبيان خطرها وضررها، كما يجبُ الإنكار على مبتدعيها والداعين إليها؛ بغضِّ النظر عن نيَّتهم وقصدهم: هل أرادوا بذلك ما ظنُّوه خيرًا؟ أم لهم من ورائه مآربُ أخرى؟ فالله أعلم بالنيات، وهو يتولَّى السرائر، وإنما الواجب إنكار البدعة والإنكار على صاحبها، لهذا فإني أحتسبُ الأجر عند الله تعالى بالقيام بشيء ممَّا يجبُ في إنكار هذا المنكر العظيم، وذلك من الوجوه التالية:

الوجه الأول: أنَّ الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي صلة بين العبد وربِّه، وهي عبادة مقصودة لنفسها، بل هي رأس العبادات؛ تجمع كثيرًا من معاني وحقائق العبودية لله الواحد الأحد: كالنية والإخلاص وقراءة القرآن والذكر والدعاء والركوع والسجود، فهي عبادةٌ خالصةٌ، لا يقصدُ بها إلا التقربُ إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته، كما قال تعالى لنبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل،…) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح (396)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هذه الصلاة لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس، إنَّما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن) أخرجه مسلم في الصحيح (540).

وكونُ الصلاة عبادة خالصة لله عزَّ وجلَّ؛ أمرٌ معلوم من دين الإسلام بالضرورة، لا يختلف فيه أحد من المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وإنما خالفهم قديمًا بعض غلاة الفلاسفة وغلاة الصوفية فزعموا أن الصلاة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة لغايات روحية وأخلاقية، ووافقهم بعض الإسلاميين الحركيين فزعموا أن الصلاة وسيلة رياضية، ودورة تدريبيَّة لإعمار الأرض وإقامة المجتمع الفاضل، وقد قرَّر هذا أبو الأعلى المودودي في كتابه: (مبادئ الإسلام)، وفي سائر كتبه، كما بيَّنه وردَّه الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتابه: (التفسير السياسي للإسلام).

فإذا تبيَّن هذا: فإنَّ استعمال الصلاة لأغراض دعوية، أو دعائية، أو سياسية، أو اجتماعية؛ إساءةٌ عظيمة لأصل من أصول الإسلام، وتشويه للعبادة وحقيقيتها ومقاصدها، وذريعة إلى هدم الدين، ونقض ثوابته وقطعياته.

الوجه الثاني: من القواعد الفقهية المقرَّرة عند أهل العلم أن: (الأصل في العبادات التوقيف والمنع)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى. وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بدَّ أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى؛ وإلا دخلنا في معنى قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]. (مجموع الفتاوى: 29/16-17، والفتاوى الكبرى: 4/5).

الوجه الثالث: لا تصحُّ عبادة مسلم إلا بالإخلاص لله تعالى، فبذلك أمرنا الله عز وجلَّ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2-3]، وقال: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]، وإخلاص الدين هو أصل دين الإسلام ـ كما قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 18/257) ـ، والإخلاص: النية في التقرب إلى الله تعالى والقصد إلى أداء ما افترض (الاستذكار لابن عبد البر: 1/264)، لهذا اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام والحج لا تصح إلا بنيَّةٍ (مجموع الفتاوى: 18/257)، ونقل غير واحد من العلماء الإجماع على وجوب النيَّة في الصلاة (انظر: مقصاد المكلفين للدكتور عمر الأشقر، ص: 323)، واختلفوا في كونها شرطًا في صحتها، أو ركنًا من أركانها، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية إلى أنها شرطٌ، وذهب أكثر الشافعية إلى أنها ركنٌ (انظر: المصدر السابق: 342)، فالجميع متفقون على بطلان الصلاة من غير نية لانتفاء شرط من شروطها، أو ركن من أركانها.

وتعريفات العلماء للإخلاص متقاربة، مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه:

يقول الراغب الأصفهاني في (المفردات): الإخلاص: التعرِّي عما دون الله.

وعرَّفه أبو القاسم القشيري في (رسالته): بأنه: إفراد الحقِّ سبحانه وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرُّب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنُّع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرُّب إلى الله سبحانه وتعالى. وقال في موضع آخر: يصحُّ أن يُقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.

وعرَّفه العزُّ بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام) قائلاً: الإخلاص أن يفعل المكلَّف الطاعةَ خالصةً لله وحده، لا يريد بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع دينيٍّ، ولا دفع ضرر دنيويٍّ. (انظر: مقاصد المكلفين، ص: 358).

وقال ابن القيِّم في (مدارج السالكين): (الإخلاصُ: تصفية العمل من كل شوبٍ، أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس: إما طلب التزيُّن في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم، والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه، أو طلب محبتهم له، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عَقْدُ متفرقاتِها هو: إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان).

فإذا تقرَّر هذا علمنا أنَّ استخدام الصلاة لغير ما شرعت له سيكون سببًا إلى إفساد النيَّة، وانتفاء الإخلاص، حتَّى وإن كانت تلك الغاية دينية؛ مثل الدعوة إلى الإسلام أو إظهار قوة المسلمين واجتماعهم، فكيف إذا كان دنيويًّا مثل ما ذُكر في نصِّ السؤال: (الترويح عن الشباب)، لا شكَّ أن هذا القصد أسوأ أثرًا على النية والإخلاص. وإذا افترضنا أن صنيع هؤلاء القوم لم يؤثر في نيتهم وقصدهم، فإن فتح هذا الباب، وتكرار فعله؛ سيجرُّ أصحابه بالتدريج إلى إفساد نياتهم وإخلاصهم، وطمس حقائق العبادة في قلوبهم، فتصبح وسائل مجردة من المعاني الإيمانية والتعبدية، كما هو حال كثير من الناس اليوم.

وقد نصَّ الفقهاء على أن من ابتغى بالعبادة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في هذه الحالة غير صحيح، والأدلة على ذلك كثيرة ـ كما شرحه الشاطبي في (الموافقات: 3/28)، واختصره الدكتور عمر الأشقر في (مقاصد المكلفين: ص: 413) ـ:

أحدها: أن المكلَّف إذا قصد غير ما قصده الشارع؛ فقد جعل ما قصد الشارعُ مهمَلَ الاعتبار، وما أهمل الشارع مقصودًا معتبرًا، وذلك مضاَّدةٌ للشريعة ظاهرةٌ.

الثاني: أن هذا القاصد غير ما قصده الشارعُ مشاقٌّ للرسول غير متَّبع سبيلَ المؤمنين؛ وقد ذمَّ الله هذا الصنف من الناس: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

الثالث: أن هذا القصد يجعل العبادة المؤداة كأن لم تؤدَّ، ولم تُفعل، فإن الشارع يريد أن تؤدى العبادة بقصد معيَّن، فإذا لم يأت به المكلف صار كالفاعل لغير ما أُمر به، والتارك لما أمر به.

الرابع: أنَّ المكلَّف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي، فإذا قصد بها غير ذلك؛ كانت بفَرْضِ القاصد وسائل لما قصد لا مقاصد، إذ لم يقصد بها قصد الشارع فتكون مقصودةً، بل قصد قصدًا آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له؛ فصار ما هو عند الشارع مقصودٌ وسيلةً عنده، وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع، وهدم لما بناه.

الخامس: أن هذا القاصد مستهزئ بآيات الله، لأن من آياته أحكامه التي شرعها، وقد قال بعد ذكر أحكامٍ شرعها: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231]. وهذا الذي حذَّر الله تعالى منه متحقق فيمن قصد بالعبادة غير ما شرعت له، ولذلك قيل للمنافقين حيثُ قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65].

الوجه الرابعُ: يتقرَّرُ بما ذكرناه في الأوجه الثلاثة السابقة؛ فالواجب صيانة العبادة عن كل ما يسيء إلى حقائقها، ويجعلها موضع اجتهاد ورأي، وأخذ وردٍّ، واختلاف ونزاع، فتنتهك حرمتها، وتذهبُ هيبتها، ويغفل الناس عن حقيقتها، فيتجرؤون على ربطها بأمور مبتدعة، كما حدث في النصرانية من الصلاة بالموسيقى والشموع!

الوجهُ الخامسُ: أنَّ تحقُّقَ هذا المشروع والاستمرار فيه سيؤدي إلى إبطال إقامة تلك الصلاة المحدَّدة في المساجد، والمعلوم عند جميع المسلمين: أن المساجد بُنيت لإقامة الصلوات الخمس، فاستثناء صلاة واحدةٍ منها ـ ولو في السنة مرَّةً ـ تعدٍّ لحدود الله، وتغيير لشرعه، ومضادة لمراده.

الوجه السادس: أنَّ في هذا الفعل إساءة بالغة لركن من أركان الإسلام؛ بجعلها في موضع مشابهة ومقاربة لفعل أولئك السفهاء الذين يبادرون الناس في أسواقهم ومجامعهم بتصرف مفاجئ مثيرٍ للسخرية والجدل والخصومة والفتنة والشقاق. وهذا واضح في تسمية أولئك القوم لمشروعهم بصلاة الفُجاءَة Flash Prayer ـ ويقال أيضًا: الفَجَأة، وكلاهما جائزٌ، يقال: فَجَأَه الأمرُ، يَفْجَؤُه فَجْأً وفُجاءةً: هَجَم عليه من غيرِ أن يَشعُرَ به. وقيل: إِذا جاءه بَغْتةً من غير تَقَدُّم سبَبٍ، وكلُّ ما هَجَم عليك من أمرٍ فقد فَجِئَكَ (تاج العروس، مادة: فجأ) ـ، وهذه التسمية مترجمة عن المصطلح الإنكليزي: [(flash mob (or flashmob]، ومعناه: (فجاءة الغوغاء)، والمقصود به: اجتماع مجموعة من الناس في مكان عامٍّ فجاءةً، وأداء أفعال غير عادية وغير ذي جدوى على ما يبدو، لفترة محدودة، ثم يتفرقون، وغالبًا ما يكون ذلك لأغراض الترفيه أو الهجاء أو التعبير الفني. وظهر هذا المصطلح سنة (2003م)، حيث ظهرت أول مجموعة من الغوغاء في مانهاتن (مايو 2003)،

وقد تمَّ إدخال هذا المصطلح لأول مرة في الطبعة (11) من معجم: (أوكسفورد الإنجليزية: Oxford English Dictionary)، وجاء فيه ما يلي: (حدثٌ غير عادي وعديم المعنى أو الجدوى)، وهذا يميزه عن صيغ أخرى من التجمعات كالاجتماعات المعقولة، مثل: أنواع الأداء والتجمُّع للاعتراض، وغير ذلك. ويعرِّف معجم: Websters New Millenium Dictionary of English فلاش الغوغاء بأنه: (مجموعة من الأشخاص الذين ينظمون على الإنترنت، ومن ثمَّ يجتمعون في مكان عامٍّ، يفعلون شيئًا غريبًا، ثم يتفرَّقون). ومن أمثلة فجاءة الغوغاء ظهورهم في مراكز تجمع الناس في محطات قطارات الأنفاق في لندن (أبريل: 2006م)، مع أجهزتهم الموسيقية المحمولة، وبدؤوا في الوقت المحدد بالرقص، وسبَّبوا ارباكًا للحياة العامة في المدينة.

وكان أكبر تجمع للغوغاء حتى هذا التاريخ: ما وقع في يوم 22/3/2008م من اجتماع آلاف الناس في أكثر من (25) مدينة في مختلف أنحاء العالم، فيما عُرف بيوم مكافحة الوسادة، (أو: اليوم العالمي لمكافحة تالوسادة)، وقاموا بأعمال غوغائية وهم يحملون معهم وسائدهم، يضرب بها بعضهم بعضًا، فتتمزق ويتناثر ما في داخلها من قطن أو ريش!

وهذه الظاهرة الفوضوية دفعت بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات قانونية لمواجهتها، لما تسببها من تعطيل للأعمال والخدمات، فتوجهت ألمانيا إلى التشديد في تطبيق الأنظمة الخاصة باستغلال الأماكن العامة، وفي المملكة المتحدة تمَّ توقيف عدد من منظمي الفجاءة، وحذَّرتهم الشرطة من تنفيذ تلك التجمعات في مسالك القطارات. وفي عام 2009، و2010؛ شهدت مدينة فلادفيليا أعمال شغب وجريمة واعتداء على الممتلكات نتيجة لتجمع فجاءة الغوغاء، مما دفع الشرطة إلى استخدام رذاذ الفلفل لتفريقهم. وبذلك تطور الأمر ليظهر مصطلح: (فجاءة السرقة)، و(فجاءة جرائم الغوغاء)، و(فجاءة عنف الغوغاء).

[راجع فيما تقدَّم: http://en.wikipedia.org/wiki/Flash_mob ].

وقد تبيَّن لنا من خلال البحث في (الانترنت) أن بعض النصارى يدعون ـ أيضًا ـ إلى إقامة هذه الصلاة، وهم أسبق في ذلك من أولئك المسلمين.

وأعتقد أن معرفة أصل هذا السلوك الجماعي الشاذِّ، ونظرة الباحثين وأصحاب القرار والرأي والحكمة إليه، وحكمهم عليه بالغوغائية وعدم الجدوى، ومعرفة الآثار السيئة له؛ كافٍ في تنبيه كلِّ مسلمٍ عاقلٍ إلى وجوب صيانة ديننا وعبادتنا وسلوكنا من مثل هذا التصرف السيء الذي ليس فيه مصلحةٌ البتَّة، فإن خلا من المفاسد والأضرار المذكورة أعلاه؛ فهو عبثٌ محضٌ، لا خير فيه.

الوجه السابعُ: وممَّا ذكرناه في الوجه السابق يظهر لنا جليًّا أن هذا الفعل تشبُّهٌ بأفعال الكفار، وأخذٌ بسلوك السفهاء والغوغاء، وانتهاج واضح لتصرف عبثيٍّ عُرف به من هم أبعد الناس عن الدين والعقل. وقد نهانا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن التشبُّه بغير المسلمين، واتباع أهوائهم، وسلوك طريقتهم، أو التأثر بما يخالف دين أهل الإسلام وأخلاقهم، قال تعالى: {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقال سبحانه: {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعنَّ سَنَن من كان قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتَّى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ تبعتموهم). قلنا: يا رسول الله! اليهودَ والنصارى؟ قال: (فمن؟!) أخرجه البخاري في الصحيح (7320).

الوجهُ الثامن: أنه ليس من سنن المسلمين الاحتفال بأول السنة الميلادية ولا الهجرية، ولا تخصيصه بشيء من الأعمال الدينية أو الدنيوية، فتخصيص أول السنة الميلادية لإقامة هذه الصلاة بدعة أخرى قبيحة.

الوجه التاسع: أن جميع ما ذكروه من المقاصد النبيلة لعملهم هذا لا يمكنُ تحقُّقه يقينًا، بل فعلهم هذا سيأتي بنتائج مناقضة لما أرادوه، هذا إن كانوا أرادوا الخير حقًّا، وهذا ما نظنُّه في إخواننا المسلمين إن شاء الله تعالى. وشرح هذا يظهر مما يلي:

أولاً: الدعوة إلى الله تعالى. فأقول: إن هذا الغرض النبيل لا يتحقق بهذه البدعة الشنيعة، وذلك من وجهين:

1- أن الصلاة ليست من وسائل الدعوة، بل هي عبادة خالصة يراد بها وجه الله تعالى ـ وإن حصل في النادر لمن ينظر إلى المصلِّي فوائد أو إعجابٌ بمحاسن الإسلام؛ فذلك من ثمراتها وفوائدها، لا من مقاصدها والغاية التي شرعت لها ـ، لهذا لمن يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام بالصلاة: لا بدعوتهم إلى إقامة الصلاة ابتداءً قبل تقرير التوحيد والإيمان، ولا بدعوتهم من خلال إقامة الصلاة أمامهم. بل كان يدعوهم بالكلمة الطيبة، ببيان حقيقة شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادهم بالتي هي أحسن، فيقرأ عليهم القرآن، ويبيِّن لهم ما أنزل الله عليه، ويذكر لهم الحجج والبراهين والأمثال، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء، قبل الهجرة من مكة بسنةٍ، أي بعد اثنتي عشرة سنة من البعثة النبوية. وقد أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بالالتزام بهذا التدرج في الدعوة حتَّى بعد ظهور الإسلام، وانتشار خبره، وإقبال الناس عليه، فقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن: (إنك ستأتي قومًا أهل كتابٍ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك: فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات، في كل يوم وليلة…) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (1425)، ومسلم في الصحيح (30). فمن خالف هذا فقد خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهاجه في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ.

2- إن الصلاة عبادة فيها أفعال وهيئات مخصوصة ـ كالركوع والسجود ـ، لا يعرف قدرها ولا يحترمها إلا من يؤمن بالأصل الذي يقوم عليه تشريع الصلاة وهو الإيمان والتوحيد، لهذا قد تكون موضع استغراب، أو سخرية واستهزاء من غير المسلمين، فليس من الحكمة إظهارها أمامهم من غير حاجة، أو من غير رغبة منهم، ومفاجأتهم بها وهم مشغولون بأمور دنياهم، فقد يستطيل أحدهم بالسخرية والسب والانتقاص، فيحصل فوضى، كما يقع عادة في تجمعات (فجاءة الغوغاء)! فهذا الفعل مظنة شرٍّ وتنفير عن الإسلام، لا مظنة خير ودعوة.

ثانيًا: اتحاد الأمة: وهذا ظنٌّ فاسد، ومن تلبيسات الشيطان، فإن وحدة الأمة في اجتماعها على الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح، والمسلمون في جميع الأعصار والأمصار يجتمع المصلون منهم في مساجدهم في الصلوات الخمس كلها، فإذا دعا بعض الناس إلى تخصيص مكان وزمان محدد بصلاة من تلك الصلوات: فلا بدَّ أن يوافق بعض الناس، ويرفض آخرون، فيحصل الاختلاف والتفرق والفتنة ـ كما حصل الآن ـ، ولو تُرك المسلمون على ما هم عليه منذ زمن النبوة وحتى يوم الناس هذا لكان ذلك خيرًا لهم، وأجمع لكلمتهم.

ثالثًا: جعل هذا العام عام صلاة الجماعة: وهذا باطل أيضًا، فإن المداومة على صلاة الجماعة ثمرة العلم والإيمان والتقوى، وذلك لا يكون بتصرف فجائي عبثي، بل بالتعليم والتذكير والتربية في المساجد والمدارس.

رابعًا: مناسبة للترويح عن الشباب: وهذا منافٍ لحقيقة هذه العبادة وللغاية التي شرعت من أجلها، كما شرحناه أعلاه، فلا نعيده. والترويح عن الشباب يكون بالوسائل الدنيوية المباحة كأنواع الرياضة والسياحة، أما أن تجعل العبادات، أو الاجتماع لها من وسائل الترفيه، فهذا هو الضلال المبين، وهو إفساد للدين، وطمس لحقائقه.

أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويررزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

كتبه:

عبد الحق التركماني

بريطانيا: 8/2/1433هـ الموافق 2/1/2012م

قرأ هذا البحث، وأقره، وأوصى بنشره:

1- فضيلة الشيخ العلامة سعد بن عبد الرحمن الحصين، مكة المباركة.

2- معالي الشيخ الدكتور سعد بن ناصر الشثري، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية سابقًا، وعضو مجلس أمناء جامعة المعرفة العالمية، الرياض.

3- فضيلة الشيخ الدكتور فهد بن سليمان الفهيد، الأستاذ المشارك بكلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

4- فضيلة الشيخ الدكتور محمد أحمد لوح، عميد الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال.

Flash Prayers in English

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد