موقع الشيخ عبد الحق التركماني - قصة النقد والتجريح للكاتب الشهير سيد قطب

/ 5 ديسمبر 2020

للتواصل 00447432020200

قصة النقد والتجريح للكاتب الشهير سيد قطب

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 14 نوفمبر 2014 78

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحقُّ المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الهادي الأمين، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فيُثار في هذه الأيَّام سؤال عن سبب تغيُّر موقف كبار العلماء من الكاتب الشهير سيِّد قطب، فقد عُلم واشتهر أن الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله سعى في الشفاعة له بعد صدور حكم الإعدام عليه، وقيَّد خبر إعدامه في كتابه: (تحفة الإخوان في تراجم الأعيان) فقال (ص: 39): (42- سيد قطب رحمه الله: نفِّذ في المذكور حكم الإعدام في يوم الاثنين 13/5/1386 فرحمة الله عليه وعلى سائر علماء المسلمين، ونرجو أن يكون من الشهداء الأبرار، وقد قُتل معه الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، والشيخ محمد إبراهيم هراس، غفر الله للجميع وكتب الشهادة لهم. والمذكور له مؤلفات كثيرة مفيدة، أشهرها وأهمها: تفسيره: في ظلال القرآن) انتهى كلام الشيخ ابن باز رحمه الله، كما أقيمت في السعودية صلاة الغائب على سيد قطب، لكنَّ موقف العلماء تغيَّر في العقدين الأخيرين، فبدؤوا بنقد أفكاره، والتحذير من كتبه، والنهي عن قراءتها وترويجها، وعلى رأسهم رؤوس أهل السنة في هذا العصر: ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، كما تجده بالنقولات الموثقة في كتاب: (براءة علماء الأمة من تزكية أهل البدعة والمذمة) للشيخ الدكتور عصام بن عبد الله السِّناني، راجعه: فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان، وقرأه وأثنى عليه: فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، مكتبة الفرقان، عجمان، الطبعة الثانية: 1424, وهذا رابط تحميل الكتاب:

http://ia600404.us.archive.org/13/items/bamtab/bamtab.pdf

فتساءل بعضهم عن سبب تغيرُّ موقف العلماء منه: هل الميت الذي تغيرت أفكاره أم الحي تغير؟

وهذا السائل ـ ومن فرح بسؤاله وبادر إلى نشره ـ؛ إما جاهل فيعلَّم، وإما مورد شبهة وطاعن في أهل العلم فيجب رد شبهته وإبطال تشغيبه، ليظهر عدل أهل التوحيد والسنة وظلم أهل البدعة والهوى. وهذا ما سنبيِّنه هنا بجلاء، فإنَّ أهل السنة يتبعون الحق، ويرحمون الخلق، ويوالون عامة المسلمين، لهذا أنصفوا سيد قطب حيًّا وميتًا، وإنما ظلمه وفضحه وشهَّر به من تعصَّب له، ونشر كتبه وفكره، رغم علمه المفصَّل بما فيه من انحرافات وضلالات. وهذا لا يُعرف إلا بسياق القصة كاملة، فأقول ـ وبالله تعالى التوفيق ـ:

لقد أعقبت ثورة (1952) انتكاسة عامة في العالم العربي، فظهرت التيارات الشيوعية والاشتراكية والقومية بقوة، وحكمت أكثر الدول أنظمة علمانية متطرفة، وكانت السعودية ـ كما هي اليوم ـ حصن الإسلام الحصين في تلك المرحلة، فكانت تجاهد على كل المستويات لمواجهة العلمانية، والاشتراكية، والزحف الأحمر.

لقد كان التدين في ذلك العصر ضعيفًا، وعامة المسلمين في جهالة وغفلة، والمساجد لا يرتادها إلا كبار السن، وفُتن الناس بالأنظمة الثورية وشعاراتها الكاذبة، فكان الواجب الديني، والقرار الاستراتيجي يحتم على المملكة العربية السعودية دعم كل دعوة في العالم الإسلامي تدافع عن الإسلام والشريعة، وتقاوم المدَّ الشيوعيَّ.

كان العلماءُ في السعودية تبلغهم الأخبار عن تبني جمال عبد الناصر للاشتراكية والعلمانية، وعدائه الشديد لمنهج السعودية في تحكيم الشريعة في الأحكام السلطانية ورفض الاشتراكية، وأنه لذلك يعادي جماعة (الإخوان المسلمون)، ولم يكن معروفًا عندهم أن (عبد الناصر) كان منهم، وأنهم قاموا بالثورة معًا، وأن الصراع إنما هو بين طرفي الثوار، فهذه الحقائق لم تشتهر إلا في العقود الأخيرة.

في ذلك الوقت والسياق اشتهر سيد قطب كاتبًا إسلاميًّا مدافعًا عن الشريعة ضد العلمانية المتطرفة؛ فلم يستحق لذلك إلا المحبة والتأييد من علماء عصره، ومن أهل الدِّين والغيرة الإسلامية.

لقد كان ذلك الموقف من سيد قطب يستند إلى السياق العام لتدافع الأفكار والتيارات، والصراع بين الإسلام والاشتراكية والعلمانية، وليس إلى معرفة مفصَّلة بفكر سيد قطب، ولا قراءة دقيقة لكتبه، بل كان العلماء يصرحون بأنهم لم يقرؤوا كتبه، فكان مسلمًا: (مستور الحال)، اشتهر قتله على أيدي من عُرفوا بمعاداة المنهج الإسلامي وتبني الاشتراكية والعلمانية.

وليس من منهج السلف الصالح امتحان الناس، وإساءة الظن في المسلمين، وتتبع عوراتهم، والسعي في فضحهم، بل الأصل إحسان الظنِّ في كل مسلم، فكيف بمن اشتهر عنه الدفاع عن الإسلام. ومن منهج السلف أيضًا: عدم إثارة الفتن، فلا يرد على أهل البدع إلا بقدر الحاجة، صيانة للحق، وهداية للخلق، فإذا كان الخطأ محدودًا، والانحراف مطمورًا، والبدعة نائمة، فالواجب السعي في إماتتها ودفنها، لا في إحيائها ونشرها. وهكذا تعامل العلماء مع كتب سيِّد قطب، خاصة وأنه ليس معدودًا في أهل الفقه والعلم، غاية أمره أنه كاتب أديب ومفكر، فوضع العلماء كتبه على الرفوف، وربما رجعوا إليها لاقتباس عبارة أدبية، أو فائدة فكرية، وبقي سيد قطب: (مستور الحال)، لكن أبى الحركيون إلا فضحه، والجناية عليه بتقديمه للأمة مفكرًا وعالمًا وإمامًا ومصلحًا ومجددًا، وذلك لما وجدوا في كتبه من فكر متطرف يخدم أهدافهم السياسية، وصرنا نسمع في محاضراتهم في وصف سيد: الإمام، الشيخ، الشهيد، المجدد، المجاهد!

تلك الدعاية الواسعة له، والإصرار على نشر كتبه، حمل العلماء وطلبة العلم على قراءة كتبه بدقة، فاكتشفوا ما فيها من انحرافات وضلالات تفصيلية يجب التحذير منها، فتغيرت النظرة لسيد قطب من (مستور الحال) إلى (مفضوح الحال)، فكانت جناية الحركيين عليه عظيمة، وأولهم أخوه: محمد قطب الذي طبع كتبه بضلالاتها، رغم نصائح المخلصين له بعدم نشرها، أو على الأقل تهذيبها، وأذكرُ أنه قبل نحو ثلاثين سنة اختصر أحد طلبة العلم في العراق تفسيره (في ظلال القرآن)، واتصل بمحمد قطب للاستئذان في نشره، فغضب عليه وزجره، وقال له: كتب أخي تطبع كما هي، ولا أسمح باختصارها أو التصرف فيها!

بدأ الترويج لكتب سيد قطب ـ خاصة في السعودية ـ مع بداية ما سُمي بالصحوة الإسلامية، وقد سجل هذه الحقيقة التاريخية العلامة الشيخ عبد الله بن محمد الدُّويش (ت: 1408) رحمه الله في مقدمة كتابه: (المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال)، فأشار إلى أن الذي حمله على الرد انتشار الكتاب، فقال: (فقد كثر السؤال عن كتاب ظلال القرآن لمؤلفه سيد قطب، ولم أكن قد قرأته، فعزمتُ على قراءته، فقرأته من أوله إلى آخره، فوجدتُ فيه أخطاء في مواضع، خصوصًا ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة…). وهذا خير شاهد على أن الذي لفت أنظار العلماء إلى كتب سيد قطب هو إلحاح الحركيين على نشرها بين الشباب وطلبة العلم، وتصريح العلامة الدويش رحمه الله بعدم قراءة الكتاب نجده أيضًا عند ابن باز وابن عثيمين وغيرهما من كبار العلماء، رحمهم الله جميعًا.

وممن جنى على سيد قطب الشيخُ سفر الحوالي شفاه الله فقد ذكره في (ظاهرة الإرجاء) مع المجددين والمصلحين: شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، وجعل ثالثهم: سيد قطب! ولا شك أن صنيع الحوالي حمل طلبة العلم على دراسة كتبِ من هو من بابة هذين الإمامين الجليلين، والمجددين المصلحين على منهاج السلف الصالح؛ فخاب ظنُّهم عندما اكتشفوا أن الشيخ سفرًا لم يحسن النصيحة لهم، فقد تبيَّن لهم انحرافاته وضلالاته، فبدؤوا بذمه، والتحذير منه!

ولولا تمادي محمد قطب في نشر كتب أخيه، وتبني الحركيين لكتبه مرجعًا فكريًّا، ومنهاجًا تنظيميًّا، وغش سفر الحوالي وأمثاله من دعاة (الصحوة) لعامة الشباب المسلم بالثناء على كتب سيد قطب والترويج لها؛ لبقي الرجل ـ كما كان في أول أمره ـ: (مستور الحال)، (مسكوتًا عنه)، ولما صدرت هذه الفتاوى والبحوث والمقالات الكثيرة ـ العلمية، الموثَّقة ـ في تبديعه وذمِّه والتحذير من فكره وكتبه. فأيُّ جناية أعظم على سيد قطب من جناية هؤلاء!

تلك هي قصة علماء أهل السنة مع سيد قطب، وقد ظهر منها إنصافهم له حيًّا وميتًا، ومنه تحذير الأمة من أخطائه. والله يغفر لنا وله وللمسلمين والمسلمات.

كتبه: عبد الحق التركماني

الجمعة 21 محرم 1436هـ/ الموافق 14 نوفمبر 2014م

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد