موقع الشيخ عبد الحق التركماني - حقيقة الجهاد ومراتبه 5

/ 17 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

حقيقة الجهاد ومراتبه 5

نشرت بواسطة : إدارة الموقع تاريخ غير محدد 132

الحمد لله الذي أمر بالجهاد في سبيله, ووعد عليه الأجر العظيم والنصر المبين, وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله وخليله, أفضل المجاهدين, وأصدق المناضلين, وأنصح العباد أجمعين، صلى الله عليه وسلم  وعلى آله الطيبين الطاهرين, وعلى أصحابه الكرام الذين باعوا أنفسهم لله, وجاهدوا في سبيله حتى أظهر الله بهم الدين، وأعز بهم المؤمنين، وأذل بهم الكافرين, رضي الله عنهم وأكرم مثواهم وجعلنا من أَتباعهم بإحسان إلى يوم الدين .

عباد الله: نحن اليوم في خطبة خامسة عن حقيقة الجهاد ومراتبه، فقد ذكرنا جهاد النفس والهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين، وذكرنا أن جهادهم يكون بالدعوة إلى الدين الحق وإقامة الحجة على المخالفين ودفع شبهاتهم، وهذا أهم صور الجهاد وأشرفها، بل هو مقصود الجهاد وغرضُه وغايته، لأنه ما شُرع إلا لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم، لهذا فهو جهاد رسل الله عليهم الصلاة والسلام وجهاد العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وذكرنا الجهاد بالمال، ونحن اليوم مع آخر صورة من صور الجهاد: وهو الجهاد بالنفس، أي: القتال في سبيل الله، وذلك عندما يبذلُ المسلم حياتَه إرضاءً لربه ونصرة لدينه ودفاعًا عن عقيدته وعن أرضه وعِرْضه. والجهاد إذا أطلق دلَّ على القتال في سبيل الله، لكن الله تعالى خصَّه بالذكر إذا كان المقصود هذا النوع على وجه الخصوص، كما قال تعالى: {كتب عليكم القتالُ وهو كُرْهٌ لكم} فلم يقل ربنا: كتب عليكم الجهاد، لأن الجهاد أعمُّ من القتال، والقتال نوع خاص من أنواع الجهاد. ولا شكَّ أن هذا النوع من الجهاد أعلى المراتب وأشرفها من جهة أن فيها بذلاً للنفس في سبيل الله، فهذا المسلم: (يجودُ بالنفس إن ضَنَّ الجوادُ بها... والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ). وقد وعد الله لمن بذل نفسه في سبيله بجنات النعيم، والفوز العظيم، فقال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، وخصَّ الشهداء بالكرامات العليَّة، والمنح الجليلة: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وقال رسول الله: (تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلا جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي: فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ أي: جُرحٍ يُجرحُه ـ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ ـ أي جرح ـ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ) خ م.

إخوةَ الإيمان: إن للجهاد والمجاهدين فضائلَ عظيمة، ودرجاتٍ رفيعة، وفيها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وآثار السلف، وقد ألف فيها جماعة من العلماء كتبًا مفردة، فالقتال في سبيل الله شريعة محكمة من شرائع هذا الدين، لا يختلف في ذلك أحد من المسلمين، على أنه ليس كما يصوره الحاقدون من المستشرقين وغيرهم: بأنه رغبة في الاعتداء والتوسع والإكراه على الدين، لا والله، ما شرعُ القتال في ديننا إلا إعلاء لكلمة الله، وصدًّا للعدوان، ودفاعًا عن العقيدة والكيان، وإلا فإن الأصل في ديننا هو السلام والأمان، والمسلم لا يحب القتال والحرب ولا يسعى إليها، فهذا رسول الله يقول: (لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا) خ م. قال شيخ الإسلام: (إنَّه من المعلوم أن القتال إنما شُرع للضرورة، ولو أنَّ الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيجَ إلى القتال، فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقًا وجوبًا أصليًّا. وأما الجهاد فمشروع للضرورة).

وحتى هذه الضرورة التي يلجأ إليها المسلمون ليست مطلقة، بل هي محكومة بأحكام لازمة صارمة من القواعد والأخلاق والآداب. فديننا لا يجيز إلا قتل من يقاتل، ولا يجيز قتل النساء والأطفال ولا الشيوخ الكبار، ولا الرهبان والعباد، ولا الفلاحين ولا التجار، ولا يجيز الغدر والخيانة، ولا التمثيل بالجثث، ولا قطع الأشجار ولا هدم العمران، ولا تسميم الآبار. هذا ما ثبت في وصايا رسول الله والخلفاء الراشدين، والتزم به المجاهدون الأولون، ففتحوا القلوب قبل فتح البلدان، ونشروا الخير والرحمة والهداية، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وقد شهد بذلك المنصفون من غير المسلمين، حتى قال المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون صاحب كتاب (حضارة العرب) كلمته الشهيرة: (ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم ولا أعدل من العرب).

عباد الله: فإذ الجهاد من أحكام الإسلام فلا بد أن يحكم بأحكام الشريعة، ويوزن بميزانها، فلا يكون الجهاد عملاً صالحًا، صحيحًا مقبولاً إلا إذا كان موافقًا لأحكام القرآن والسنة التي بينها الفقهاء في كتبهم، وهذا شرط في كل العبادات والأعمال، فلو أن مسلمًا صلى صلاة الفجر أربع ركعات، أو الظهرَ ركعتين؛ فصلاته باطلة، وكذلك لو صلاها من غير طهارة، أو لغير القبلة، فصلاته باطلة. كذلك من جاهد في سبيل الله على غير السنة، فلم يتقيد بشروط وضوابط وأخلاق الجهاد، فعمله مردودٌ عليه، ولا يعدُّ قتاله جهادًا مشروعًا بل إفسادًا في الأرض. وكما أنه ليس العبرة في العبادات بكثرة الصلاة والصيام والقراءة والبكاء بل العبرة في اتباع السنة، فكذلك ليس العبرة في الجهاد بالبذل والتضحية بالمال والنفس وإنما العبرة بموافقة السنة، والمرجع في معرفة هذا هم العلماءُ الربانيون الذين يرجع إليهم الناس في مسائل العقيدة والصلاة والصيام والنكاح والطلاق وغيرها من أحكام الشريعة، فهم المرجع في أحكام الجهاد أيضًا، لأن الجهاد من شريعة الإسلام وليس بالأهواء والانفعالات والعواطف والمغامرات. قال ربنا سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} ففي هذه الآية تأديب من الله لعباده أنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم: أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. وأن عدم الرجوع للسنة المطهرة، ولأهل العلم العارفين بالسنة: سببٌ لاتباع الشيطان.

أسأل الله تعالى أن يثبتني وإياكم على دينه، ويحفظنا من طرق الغي والضلالة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد