موقع الشيخ عبد الحق التركماني - لم تقولون ما لا تفعلون

/ 17 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

لم تقولون ما لا تفعلون

نشرت بواسطة : إدارة الموقع تاريخ غير محدد 145

عباد الله: يقول ربنا سبحانه في أول سورة الصف: {بسم الله الرحمن الرحيم. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}

هذه آياتٌ من كتاب الله العزيز فيها إرشاد وتأديب رباني عظيم لعباده المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فالخطاب هنا ليس للكفار ولا المنافقين، بل هو للذين أمنوا، إنه لأهل الإسلام والإيمان الذين يقعون في هذا الخطإ الجسيم فيقولون ما لا يفعلون، وهذه الصفة كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله: المقت هو البغض وهو أشد البغض وأبلغه. فالله سبحانه يمقت مقتًا عظيمًا وكبيرًا هذه الصفة الذميمة: أن يقول الإنسان ما لا يفعل، ويدعي ما ليس فيه، ويكثر الكلام فيما هو أكبر من حجمه وهمته وعزيمته.

قال ابن عباس في هذا الآية: كان ناس من المؤمنين قبل أن يُفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب ألأعمال إيمان به لا شك فيه وجهادُ أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك ناسٌ من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون}، وهذا تفسير جمهور العلماء أن الآية نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم. وسياق الآيات تدل على هذا المعنى، وتأملوا ـ عباد الله ـ الحكمة البالغة في هذه الآيات، فالمولى عز وجل ذكر أولاً ما يقع فيه بعض المؤمنين: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، ثم بيَّن سبحانه أن هذه الصفة بغيضة مذمومة عنده: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. ثم إذا بنا ننتقل إلى صفة أخرى يحبها الله، إنه نموذج عملي واقعي: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ. فهؤلاء الذين انتقلوا من القول إلى العمل، ومن الادعاء إلى الإثبات، ومن الخيال إلى الواقع، ومن الأماني إلى الحقيقة: لهذا استحقوا محبة الله تعالى لهم، وهذا هو الإحسان: واللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وهذا هو التقوى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، وهذا هو الصبر: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.

عباد الله: نحن في زمن كثر فيه الكلام وقل العمل، وانشغل كثير من الناس بما لا يعنيهم، وقصروا فيما يعنيهم، ولهذا الظاهرة مفاسد خطيرة:

فأول ذلك: أن كثرة الكلام والدعوى، والخوض فيما يعلم الإنسان عجزه عنه: مناف للإخلاص، أو لكمال الإخلاص، فإن المؤمن الحق يخفي عمله، ويُلجم لسانه، ولا يدعي ما ليس فيه، وقد ذكر النبي في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).

ثم ماذا بعد هذا؟ إنك إذا وسعت مساحة القول مع التقصير في العمل: شغلك ذلك عن المقدور عليه، بغير المقدور عليه. والواجب على الإنسان أن يشتغل بما يقدر عليه، بما هو مستطاع له، في أمر الدين أو أمر الدنيا:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه : : : وجاوزه إلى ما تستطيع

ومن لطف الله تعالى ورحمته أن علق الواجبات والشرائع بالطاقة: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. والإنسان إذا لم يُشغل نفسه بما هو في حدود قدرته واستطاعته: يفقد توازنه في الحياة، ويصبح قولاً بلا فعل، ودعاوًى بلا حقائق، وكما يقال اليوم: يتحول إلى ظاهرة صوتية. وقد رغَّب نبينا الكريم في السلوك الحقيقي المحمود، وحذر من إطلاق العنان للسان من غير محاسبة، فقال: (إن أحبكم إليَّ، وأقربكم مني في الآخرة مجالسَ: أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقًا. الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون) يا رسول الله ما المتفيهقون؟ قال: (المتكبرون) حم ت. فالثرثارون المتشدقون: فهم المُتَوَسِّعون في الكلام من غير احتياطٍ واحترازٍ.

ثم ماذا بعد هذا إخوةَ الإيمان؟ إن القول بلا عمل من أسباب الابتلاء، وقد قال السلف: البلاء موكل بالمنطق. وكان الصديق كثيرًا ما يتمثل بقول الشاعر:

احذر لسانك أن تقول فتُبتلَى * إنَّ البلاء موكل بالمنطق

وقد كان المؤمنون في ابتداء الإسلام، وهم بمكة، كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، لكنَّهم أمروا بالصبر وكف اليد ولم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة، فلما أمروا بما كانوا يودُّونه جَزِعَ بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفًا شديدًا، وعند ذلك نزلت هذه الآيات لتكون منهجًا تربويًّا للمسلمين عبر الأجيال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وَقَالُوا: رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ، لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ، قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}. ومن هنا نهى النبي عن تمني مواجهة الأعداء، حتى لا يوكل الإنسان إلى نفسه، ولا يبتلى بنطقه، ولا يتجرأ على ادعاء ما لا يطيقه، فقال وهو رؤوف رحيم بأمته: (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا).

عباد الله: إنَّ من أصول العقيدة عند أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل، قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فهذه شروط الإيمان، لا يوجد الإيمان بانعدام أحدها، فقول القلب: المعرفة والتصديق والإقرار. وعمل القلب: الخضوع والإذعان والنية والإخلاص والمحبة والخوف والرجاء والخشية وغير ذلك من أعمال القلوب. وقول اللسان أقله الشهادتين. وعمل الجوارح بإقامة العبادات العملية وأولها وأهمها: الصلاة. فليس الإيمان دعوى مجردة، وليس مرتبةُ الإنسان وفضله في إطلاق لسانه، وكثرة ثرثرته وكلامه، وإنما فيما وقر في القلب وصدقه العمل، كما قال رسول الله: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم ـ و أشار بأصابعه إلى صدره ـ وأعمالكم). أخرجه الإمام أحمد ومسلم في الصحيح وابن ماجه وغيره، هكذا لفظ الحديث: (ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). ليس إلى القلوب وحدها، بل إلى القلوب والأعمال. {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد