موقع الشيخ عبد الحق التركماني - لما أنت صائم

/ 17 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

لما أنت صائم

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 13 أغسطس 2010 66

عباد الله: أهنؤكم بدخول رمضان، واحْمَد ربِّي على أن بلَّغنا شهر القرآن والغفران، وأسأله سبحانه أن يوفِّقنا للتوبة والإنابة، ويجعلنا من أهل السعادة والجِنان، ونعوذ بوجهه الكريم من غضبه والنيران.

إخوة الإيمان: إن المسلم الذي ينشأ في بلد مسلم يفتح عينيه على مجتمع يغلب عليه إقامة شعائر الإسلام كالصلاة والصيام، فيصنع كما يصنعون، من غير أن يضطر إلى التساؤل عن الأسباب والحكم والغايات. لهذا أصبح الدين عند كثير من المسلمين في بلاد الإسلام تقليدًا وممارسة اجتماعية موروثة، جانبُ التدين الحقِّ ضعيف عند بعضهم، وضعيف جدًّا عند آخرين منهم، ومنعدمٌ تمامًا عند صنفٍ ثالثٍ؛ فليس الصوم إلا أكلات شهية وحلويات، ومنادمات وسهرات، ومسلسلات ومسابقات. فالله المستعان، وإليه الشكوى من حال مسلمي هذا الزمان.

أما حالنا نحنُ فمختلف، فإننا نعيش في مجتمع غير مسلم، لا يعرفون صلاة ولا صيامًا، فنتعرض لصعوباتٍ وتحدياتٍ، هي في الحقيقة نعمة كبيرة على كل مسلم صادق: حيث يسأل نفسه لماذا أنا صائم؟ ويسأله أولاده لماذا نصوم؟ ويسأله المجتمع لماذا تصومون أيها المسلمون؟ هذا السؤال والتساؤل مهم جدًّا، فإنه يوقد ضمير المسلم ومشاعره، ويجدِّد نيَّته ومقاصده، حتى يعبد الله عن صدق وإخلاص، وعزيمة واختيار، لا عن تقليد ووراثة، وممارسة ظاهرة من خير عبادة قلبية راسخة.

فتعالوا ـ أيها الإخوةُ في الله ـ لنحاول الإجابة على هذا السؤال الذي ينبغي على المسلم أن يطرحه على نفسه في كل يوم من أيام رمضان: لماذا أنا صائم؟ ما هي حقيقة الصيام؟ وما هي مقاصده وغاياته؟

اعلموا ـ عباد الله ـ أنَّ الله تعالى لم يخلقنا عبثًا، ولا تركنا هَمَلاً، فالله تعالى منزَّه عن العبث واللهو واللعب: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} 23/115، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} 44/38. وهذا الحقُّ هو أن نعبده ولا نشرك به شيئًا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 51/56. والعبادة ـ التي هي الغاية والمقصِد من وجودك أيها الإنسان، فهو ضرورة من ضروريات وجودك، فكما أن الله هو الخالق الغني القوي، فأنت المخلوق الفقير الضعيف، فلا تستقيم الحياة، ولا تصح العقول، ولا تنشرح القلوب، ولا تُسعد النفوس: إلا بإيمانها بربها وباريها وبإفرادِها له بالعبادة والطاعة، ولشرح هذا مناسبة أخرى إن شاء الله ـ هذه العبادة: على أنواع وصيغ، تستوعب ظاهر العبد وباطنه، فمنها: عبادة القلب: بالإيمان والنية والإخلاص والمحبة والخوف والرجاء والخشوع والتذلل والإنابة، وغير ذلك من أعمال القلوب. ومنها عبادة اللسان: بالذكر والدعاء وقراءة القرآن ونشر العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومنها عبادة الجوارح: بالقيام في الصلاة والركوع والسجود وأداء الزكاة والحج وفيه كثير من أعمال الجوارح: كالطواف حول البيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة، والذهاب إلى عرفة والمكوث في منى والذبح والحلق وغير ذلك من الأعمال. فهذه أنواع العبادة: عبادةٌ قلبية، وعبادةٌ قولية، وعبادة فعلية، فما هو منزلةُ عبادة الصيام بين هذه العبادات؟

عباد الله: إن الصيام فيه من هذه الأنواع كلها، فهو عبادة قلبية: تُشترط له النية والإخلاص لله تعالى، وبهذا فسَّر بعضُ العلماء قول الله تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابنِ آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به). فالصيام يختصه الله سبحانه وتعالى من بين سائر الأعمال، لأن الصيام أعظم العبادات، فإنه سرٌّ بين الإنسان وربه، لأن كون الإنسان صائمًا أو مفطرًا أمر لا يطَّلع عليه أحد، فلذلك كان أعظم إخلاصًا، فاختصَّه الله من بين سائر الأعمال. وفيه عبادة اللسان: بملازمة القول الطيب، واجتناب الكذب والباطل والغيبة والنميمة والقول الفاحش، يقول النبي: (من لم يدعْ قول الزور والجهلَ، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) خ ن جه. وقول الزور: هو شهادة الزور، والكذب، وكلُّ باطل من القول. ويقول في الحديث الآخر: (إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) خ.  ففي هذين الحديثين: دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقَّص صيامه وتعرض لسخط ربه، وترك قبوله منه. أما عبودية الجوارح: فبترك الطعام والشراب والجماع، وهذه شهوات يرغب فيها الإنسان أشدَّ الرغبة، فلا يتركها إلا من تحكَّم في إرادته وأخضع جسده لعبودية الترك والاجتناب تقربًا إلى الله تعالى. لهذا جاء في الحديث القدسي الجليل: (كلُّ عمل ابن آدم يضاعَفُ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصومُ، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوتَه وطعامَه من أجلي) خ م. فترك الإنسان ما يشتهيه لله، هو عبادة مقصودة، يثاب عليها، كما يثاب المحْرِمُ على ترك ما اعتاده من اللباس والطِّيب ونحو ذلك من نعيم البدن.

عباد الله: فهذه هي حقيقة الصيام والغايةُ منه، إنها العبودية لله ظاهرًا وباطنًا، لهذا كان نتيجةَ الصوم وثمرتَه: تقوى الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 2/183. وأهل التقوى هم الذين عبدوا الله حق عبادته فنالوا مرضاتَه وجنَّاتِه.

فهذه هي الغاية من الصوم، ثم إن للصوم ثمارًا وآثارًا وفوائدَ طيِّبة على الفرد والمجتمع: ففيه صحةٌ نفسية، وصحة بدنية، وتدربٌ على الصبر، وتفكرٌ بحال الفقراء مما يحمل على الرحمة بهم والإحسان إليهم، وعلى التواضع والانكسار، فيحصل بين أفراد المجتمع الإنساني تكاتف وتكافل وتعاون. وغير ذلك من الآثار والفوائد الجليلة. ولكن لا بد أن نفرق بين الغاية والمقصِد وبين الفوائد والثمار. الغاية والمقصِد من الصيام: هو عبادة الله تعالى وحده. فترك الطعام والشراب والشهوات وحفظ اللسان والجسد من المفطرات الحسية والمعنوية: عبودية خالصة لله الواحد الأحد. ولا شكَّ أن في كل ما شرعه الله تعالى لعبادة المؤمنين: فوائدَ وآثارًا طيبةً ومنافعَ ومصالحَ جليلة يجدونَها في هذه الحياة الدنيا، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه وكرمه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. لكن ينبغي علينا أن لا نكثر الكلام في الفوائد والآثار ونَغفَل عن الغاية الحقيقة المقصودة لذاتها. فهذا خطأ قد وقع فيه كثير من المسلمين في هذا الزمان، فأطالوا الكلام في فوائد الصوم وآثاره النفسية والصحية والاجتماعية، وبعضهم يصرِّح أن الصيام دورة تدريبية، وفي كل ذلك إضعاف لجانب إقامة العبودية لله تعالى.

أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الصائمين المخلصين المتقين.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد