موقع الشيخ عبد الحق التركماني - الصيام والتقوى 1431

/ 17 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

الصيام والتقوى 1431

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 20 أغسطس 2010 199

الحمد لله ذي العز والسلطان، أنزل القرآنَ هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان، أحمده سبحانه على عظيم الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله عظيم الشان، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله إلى الإنس والجان، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والإيمان.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالعز والشرف في التقوى، والسعادة والعلا عند أهل التقوى. وشهرنا هذا شهر التقوى، كما قال ربنا سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). ولعلَّ هنا لها معنيان: الأول: بيان الحكمة والغاية من الصوم، لعلكم تتقون: أي لكي تتقوا ربكم، فيحملكم الصوم على طاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر. والمعنى الثاني: (لعل) على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: صوموا على الرجاء منكم والطمع أن تتقوا ربكم، وذلك لأنه ليس كل الصائمين يحققون معنى التقوى في صومهم، بل إنهم يأتون بالصوم ظاهرًا فيمسكون عن المفطرات، ولكن لا يحققون النية والإخلاص ولا يحفظون ألسنتهم وآذانهم وأعينهم وسائر جوارحهم عن الحرام، فلا يستفيدون من صومهم حقيقة التقوى التي هي الغاية والمقصِد، والمرتبة العالية، والدرجة السامية.

عباد الله: التقوى كنز عظيم، ومعنى نفيس، فيه خير الدنيا والآخرة: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، قد جعلها الله شرطًا لقبول الأعمال: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وسببًا لغفران الذنوب وتكفير السيئات ورفع الدراجات: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)، لهذا كان أهل التقوى هم الأعلون في الآخرة والأولى ولهم العاقبة والحسنى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، فالمتقون هم المفلحون، هم المرحومون، هم المنصورون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما أخبر ربهم بقوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}  من هم؟! {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}  {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، وقال جل وعلا: {وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، {وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، {فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

إخوة الإيمان: إذا كانت التقوى بهذه المنزلة، فما هي حقيقتها؟

التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله عز وجل وغضبه وقاية، التقوى أن تجعل بينك وبين الذنوب والخطايا حاجزًا مانعًا قويًا. التقوى أن يُعبَد الله عز وجل فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر. التقوى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. قال ابن عباس: (المتقون هم المؤمنون الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعة الله)، وقال طلق بن حبيب: التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله. وعن أبي سليمان الداراني قال: التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. وقال كثير من أهل العلم: إن التقوى أُخذت من الوقاية، ومعناها أن يتّخذ العبد لنفسه وقاية من الشر ومن مساخط الله ويتوقَّى أن يقع فيما حرم الله، يقول القرطبي: إن التقي هو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزًا بينك وبينه. وفي هذا السياق عرّف الصحابي الجليل أُبي بن كعب التقوى تعريفًا جميلاً عندما سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن التقوى، فقال أُبي: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟! قال عمر: بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمّرت واجتهدت ـ أي: اجتهدت في تفادي الشوك ـ، قال: فذلك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:

خل الذنـوب صغيرهـا       وكبيـرها ذاك التقـى

واصنع كماشٍ فوق أرضِ       الشوك يَحذر مـا يرى

عباد الله: إذا عرفنا معنى التقوى فما أحوجنا إلى أن نربِّي أنفسنا على تقوى الله، حتى نتقي الله في رمضان، وفي بقية أشهر العام، فالصيام مدرسة التقوى: فأول ذلك أن نتأمل معاني التقوى في الإمساك والإفطار، ألستَ أخي المسلم تتحرى أن تمسك عند وقت الفجر الصادق عن الطعام والشراب وجميع المفطرات، وتداوم على ذلك حتى غروب الشمس، وتبحث عن مواقيت الفجر والمغرب، وتدقق وتسأل، وتنظر في الساعة، وتحاسب نفسك على الدقيقة والدقيقتين: كل ذلك لأنك تتقي أن يفسد صومك، ويضيع جهدك، فبالله عليك: احسب جميع أمور عباداتك ومعاملاتك وأخلاقك هكذا بكل دقة، كما تدقق على الدقيقة والدقيقتين، كن دقيقًا في نياتك ومقاصدك فلا تفسدها بالشرك أو النفاق أو الرياء، وكن دقيقًا في صلاتك فلا تضيعها، وكن دقيقًا في ألفاظك فاحذر الزور والكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وكن دقيقًا في معاملاتك مع الأهل والأولاد والأقرباء والجيران، وكن دقيقًا في أداء حقوق الآخرين من المسلمين وغير المسلمين، فلا تغش ولا تغدر ولا تسرق ولا تخن ولا تضيع أمانة أحد. وإلا فما معنى أن تجهد نفسك بالصيام ولا تزداد قربًا من الملك العلام، وقد قال خير الأنام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه).

ألستَ أخي المسلم تتقي أن يدخل جوفك شيء وأنت صائم فيفسد صومك ويضيع تعبك، وتتصل بمن تستفتيه: يا شيخ قد دخل جوفيَ قطرةٌ من معجون الأسنان: فهل صومي صحيح؟ فبالله عليك: هكذا اتق الحرام سائر أيامك، فلا تأكل طعامًا محرمًا، ولا تأكل حقوق الآخرين، فكل جسدٍ نبت من سحتٍ ـ من حرام ـ فالنار أولى به، كما قال رسول الله.

إخوةَ الإيمان: أعرفتم ـ رعاكم الله ـ لماذا نصوم رمضان بعد رمضان ولا نكاد نجد أثرًا للصيام في حياتنا؟! إننا لم نحقق معنى الصيام فلم نذق حقيقة التقوى، فما أحوجنا أن نصوم حق الصيام، ونستحضر هذه المعاني الجليلة، ونجعل لها أثرًا في إيماننا وأقوالنا وأعمالنا ومعاملاتنا وأخلاقنا، فنرقى في مراتب الإيمان، ونسمو في مدارج الصلاح والاستقامة. تقبل الله مني ومنكم الصيام والقيام، وتجاوز عن التقصير والآثام.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد