موقع الشيخ عبد الحق التركماني - تذكير المصلين بنعمة الأمن في الدين

/ 18 مايو 2021

للتواصل 00447432020200

تذكير المصلين بنعمة الأمن في الدين

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 26 نوفمبر 2010 251

الحمد لله الكريم المنان، المتفضل على عباده بأصناف النعم وأنواع الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالهدى والرحمة وصلاح القلوب والأبدان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا مزيداً

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم العظيمة، نعم كثيرة فضيلة وفيرة: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (18) سورة النحل. اشكروا الله على هذه النعم فإن الشكر سبب لمزيدها وبقائها، وإن كفر النعم سبب لنقصها وزوالها، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (7) سورة إبراهيم . وقال سبحانه: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} (112) سورة النحل.

واعلموا أن نِعم الله على صنفين: نعمٌ مادية دنيوية، وهذه نعمة عامة، يعطيها الله تعالى الكافرَ والمسلم، والصالح والطالح، يعطيها من يحبه ومن لا يحبه، بمقتضى علمه وعدله وحكمته، ذلك لأن نعم الدنيا ابتلاء واختبار، وهذه الدار دار امتحان وتمحيص، لا دار دوام وقرار: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.

والصنف الثاني: النعمة الخاصة، لا يعطيها الله إلا لأهل محبته، إلا لأوليائه وخاصته، إنها نعمة الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، فبهذه النعمة أخرجنا الله من الظلمات إلى النور، من الشرك إلى التوحيد، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الباطل إلى الحق، لهذا امتنَّ الله عز وجل بهذه النعمة على عباده المؤمنين فقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. وهذه النعمة أصل لكل نعمة وسعادة وتوفيق في هذه الحياة الدنيا، وسبب للفلاح والفوز في الدار الآخرة، ففيها الاجتماع بعد الفُرقة، والأخوة بعد العداوة، والحفظ والصون من الضياع والهلاك كما قال ربنا سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

عباد الله: لما كانت الهداية إلى الإسلام والسنة أعظم النعم والمنن على من أسعده الله بالإيمان والاستقامة، فإن أعظم النعم بعد ذلك: أن ييسر الله لهذا العبد المسلم أسباب إقامة دينه في أمن أمان، وطمأنينة وسلامة، فليس في الدنيا شر ولا ظلم ولا أذى أعظم من الفتنة في الدين بحيث يحرم المسلم من إقامة دينه وإظهار شرائعه والجهر باعتقاده، فهذا أشد على المؤمن من القتل، قال ربنا سبحانه: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركًا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكًا عليه، مُحقًّا فيه.

وقد ذكَّر الله تعالى النبي وأصحابه بنعمة من نعمه عليهم، وهي كفُّ يد الأعداء عنهم، ومنعهم من العدوان والاعتداء فسلم المسلمون من شرهم، وأمنوا من مكرهم، فقال سبحانه ممتنًا عليهم بهذه النعمة: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}

إخوة الإيمان: إن أعظم نعم الله تعالى علينا في هذه البلاد وأجلها وأكرمها بعد الإسلام: الأمن في الدين، والتمكين من أظهار الشعائر فنحن ولله الحمد والمنة  نقيم الجمعة والجماعات والأعياد، ونَظهر بين الناس بالهدي النبوي، من غير يلحقنا في ذلك أذى ولا عدوان، ولا منع ولا تحجير. ومن بركات هذه النعمة: هذا المسجد العامر بالجمعة والجماعات وقراءة القرآن والتعليم والدعوة إلى الله تعالى. فاشكروا الله على هذه النعمة الفضيلة، وحافظوا عليها بشكرها ومعرفة قدرها والأخذ بالأسباب المشروعة لدوامها وصيانتها، وتذكروا ما لقيه المسلمون الأولون وغير من المسلمون في عصور مختلفة وأقطار شتى من التضييق والأذى، بل التعذيب والتشريد والتقتيل لمجرد الإيمان بالله الواحد الأحد، والتصديق بالصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وفي سيرة النبي والسابقين الأولين في مكة تسلية وتثبيت لكل مؤمن، وتذكير بقدر نعمة الله عليه وهو آمن مطمئن على دينه ونفسه وعرضه، وأخبار ما لقيه عثمان بن عفان ومصعب وخبات بن الأرت عمار وصهيب وبلال وغيرهم من السابقين الأولين معروفة مشهورة، ولم يسلم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم لقي من صنوف الأذى والإساءة في حوادث كثيرة امتدت ثلاث عشرة سنة، وأكتفي بذكر حادثة واحدة يرويها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو من السابقين الأولين قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ ـ عُقبَة بن أَبِي مُعَيط ـ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ سَاجِدًا، حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ الصَّلَاةَ، قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً. خ

هكذا كان حال رسول الله بين قوم سوء مدة ثلاث عشرة سنة، هكذا كان حال إمام المرسلين، وخير المصلين، وأكرم الساجدين، فليتذكر الواحد منا نعمة الله عليه: تمضي عليه ثلاث عشرة سنة وهو في أمان وطمأنينة، لا يسأله أحد عن دينه ومعتقده، ولا يضايقه أحد في صلاته في مسجده أو مكان عمله، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك: أَوْزِعْننا أَنْ نشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَينا، وَعَلَى وَالِدِينا، وَأَنْ نعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ، وَأَدْخِلْنا بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد