موقع الشيخ عبد الحق التركماني - شروط لا إله إلا الله: الصدق

/ 20 يونيو 2021

للتواصل 00447432020200

شروط لا إله إلا الله: الصدق

نشرت بواسطة : إدارة الموقع / 25 فبراير 2011 127

عباد الله: نحن اليوم مع شرط آخر من شروط كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فقد ذكرنا من شروطها: العلمَ، واليقين، والقبول، والانقياد، ونحن اليوم مع شرطٍ خامس هو الصدقُ، الصدق المنافي للكذب، والمانع من النفاق. فلا تُقبل من أحد شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ إلا إذا كان صادقًا فيما يقول، فما يقوله بلسانه مطابق لما في قلبه، وهذا بخلاف المنافق الذي يقول بلسانه ما ليس في قلبه.

يقول ربنا سبحانه في أول سورة العنكبوت: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. ويقول عز من قائل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار). صِدْقًا من قلبه: أي صادقًا من قلبه، وهذا احتراز من حال المنافق، فالمنافق يشهد بلسانه وقلبُه كاذبٌ ومكذِّب. كما أخبر الله تعالى رسوله الكريم عنهم فقال: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}، ثم قال الله تعالى في ردِّ شهادتهم: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. ولهذا قسَّم الله سبحانه الناسَ إلى قسمين: صادقٍ ومنافقٍ، فقال: {يَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. فالإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان، إلا وأحدهما محارب للآخر. وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

عباد الله: الصدقُ هو الطريق الأقوم الذي من لم يسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبالصدق تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكانُ الجنان من أهل النيران، الصدق يا عباد الله هو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به لم تُرَدْ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فُسْطاط اليقين، وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان: أن يكونوا مع الصادقين، وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} فهم الرفيق الأعلى، وحسن أولئك رفيقًا، ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده، إحسانًا منه وتوفيقًا، ولهم مرتبة المعية مع الله: فإن الله مع الصادقين، ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين. وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له فقال: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم: من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} أُولَئِكَ أي: المتصفون بما ذُكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانُه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية: فأولئك هم (الَّذِينَ صَدَقُوا) في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدَّقت إيمانهم، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية: أكبر العبادات، ومن قام بها: كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار، الصادقون، المتقون .

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: (أولئك الذين صدقوا)؛ فصِدْقهم مع الله: حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات، وأما صدقهم مع الخلق: يدخل في قوله تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا)، وهذا من علامات الصدق، ولهذا قال تعالى: (أولئك الذين صدقوا) فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق .

فدلت هذه الآية أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة، وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان. فالصدق أساسه في القلب، نيةً وقصدًا وإخلاصًا وثباتًا وعزيمةً، ومن ثمار الصدق في الإيمان الصدق في القول والعمل، والثبات عند ورود الفتن والابتلاءات، فتن السراء وفتن الضراء، والابتلاء بالمرض والجوع والفقر وتسلط الأعداء، ففي هذه الأحوال تنكشف ما في القلوب من الحقائق: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}. لهذا قال بعض العلماء في تعريف الصدق: الصدق الوفاء لله بالعمل.

إخوة الإيمان: أُصْدُقوا مع الله، أصدقوا في إيمانكم ونيتكم وعزيمتكم وأقوالكم وأعمالكم، وأعلموا أن الله لا يخذل الصادقين، وأن من صدق مع الله قابله الله بالحسنى في الدنيا والآخرة وقد جاء رجل من الأعراب إلى النبي فآمن به واتبعه، وشارك في بعض الغزوات، فأرسل إليه رسول الله حصَّته من الغنائم، فأخذه فجاء به إلى النبي فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال: (إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتي به إلى النبي يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي أهو هو قالوا نعم قال: (صدق الله فصدقه). ن. وقال: (من سأل الله القتل في سبيله صادقًا من قلبه أعطاه الله أجر الشهيد وإن مات على فراشه) ت ك.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد