موقع الشيخ عبد الحق التركماني - خطبة الإيمان بالغيب

/ 17 سبتمبر 2021

للتواصل 00447432020200

خطبة الإيمان بالغيب

نشرت بواسطة : إدارة الموقع تاريخ غير محدد 306

عباد الله: اعلموا أن الإيمان بالغيب هو أسُّ الإيمان وأساسه، وقاعدة الدين وأصله، وهو المعنى الجامع لأصول الإيمان الصحيح النافع وشروطِه، لهذا امتدح الله تعالى به عباده المهتدين المتقين، وجعله أول ما يوصفون به في صدر كتابه العظيم، فقال عزَّ من قائلٍ: {ذلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ}، والمراد بالغيب: كلُّ ما غاب عنَّا علمُه، فلم ندركه بالحسِّ والمشاهدة، مما كان أو سيكون في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، على اختلاف الأزمنة والأمكنة، والذوات والصفات، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره وأشراط الساعة، وما صحت به الأخبار من الحوادث الماضية والمستقبلة وأخبار الرسل وأممها، وما يحصل في آخر الزمان من علامات الساعة وأشراطها، من ظهور الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وما يكون في البرزخ من عذاب القبر ونعيمه، مما دلت عليه الآيات وصحت به الأحاديث، فهذه الأمور كلها داخلة في الإيمان بعالم الغيب، ويقابله عالم الشهادة، والله تعالى هو عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.

عباد الله: إنَّ إيمان المسلم بعالم الغيب ليس إيمانًا بالخرافات والأساطير، ولا اتباعًا للظنون والأوهام، بل هو إيمان حقٌّ، ويقين صادقٌ، بأنَّ عالم الغيب عالمٌ حقيقيٌّ وجودُه، وإن كنَّا لا نحيط به، ولا ندرك كيفيَّته. وفيما ذكره الله تعالى في كتابه المجيد وفيما بثَّه في الآفاق والأنفس من البراهين والآيات دلالة كافية، وحجَّة قاطعة بوجود عالمٍ غيبيٍّ، هو أعظم وأجلُّ وأثبت في الوجود والحقِّ والثبوت من عالم الشهادة الذي يدخل تحت حسِّنا وإدراكنا. وتأملوا بعض مظاهر ذلك فيما حولنا، ستجدون أن الشيء كلما كان أقلَّ مادية وأخفى من حسِّ الإنسان ومشاهدته؛ كان أعظم قوة، وأكبر تأثيرًا، فكم نحتاج من الوقت والحطب حتَّى نشعل نارًا نغلي به كوبًا من الماء، إلى وقت طويل قد يصل إلى ساعة، ولكننا نجد ذلك الماء يغلي في أقل من دقيقة واحدة إذا وضعناه في فرن المايكرويف بلا حطب ولا نار ولا دخان. وكذلك الإنسان لا يموت بضربة ولا ضربتين، وقد تصدمه سيارة، أو ينهار عليه حائط فلا يموت، ولكن إذا مسَّ التيار الكهربائي فإنه يموت خلال ثوانٍ أو دقائق، هذا والكهرباء ـ في المشاهد المحسوس ـ لا لون له، ولا حجم له، ولا ثقل له. فتأملوا يا عباد الله فيما وراء هذا العالم المحسوس من القوة الباهرة والقدرة الهائلة، التي لا يعلم كنهها ومداها إلا الله ربُّ العالمين. 

إخوةَ الإيمان: إنَّ الإيمان بالغيب هو الذي ملئ قلب النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنه، وبه عاش سلفنا الصالح الطيب، فشمَّروا ساعد الجدِّ في عبادة الله وطاعته، وفي البذل والتضحية والجهاد في سبيله، وابتغاء مرضاته، والمسابقة إلى {جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}، حتَّى صارت الماديَّات عندهم ضئيلة حقيرة، فأخرجوها من قلوبها، وجعلوها في أيديهم، يتصرفون فيها بما يرضي الله عزَّ وجلَّ، فهذا رسول الله يقول لأصحابه في غزوة بدرٍ: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. فقال عُمير بن الحُمام: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملك على قولك: بخٍ بخٍ. فقال: لا والله يا رسول الله إلَّا رجاءَ أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حُيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل رضي الله عنه. أخرجه مسلم. فالإيمان بالغيب يورث الإنسان ثقة بموعود الله، ومسابقة إلى مغفرته ومرضاته.

والإيمان بالغيب يثمر الخشيةَ من الله تعالى، والخشية خوف من الله مع تعظيم وإجلال ومحبَّة وخضوع للقلب وتذلل، فإذا خشي الإنسان ربَّه: اتقاه وراقبه، واستقام في تديُّنه وسلوكه، وهذا هو السبيل هو تزكية النفس وصلاحها: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} [فاطر: 18]، {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ وَخشِىَ ٱلرَّحْمٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11].

وكما قال أحد العلماء: فالإيمان بالغيب يؤثر في الحياة تأثيرًا عظيمًا، ويورث في القلوب توجهًا وإقبالًا، ينقاد فيها إلى الاتِّباع، وتنقلب فيه الحياة من ظلام واضطراب إلى نور واستقامة، تتفتح فيها الآفاق مع رحابة في الصدور، وطمأنينة في النفوس، وجِلاء في الحقِّ، ورضا يملأ الجوانح: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12]. بالإيمان بالغيب تسلم القلوب من أمراضها، تُوقى الشحَّ والشحناء، والكذبَ والبهتان، والمكرَ والخيانة. الإيمان بالغيب من أعظم بواعث الورع والتقوى وحسن التربية. الصلاح والإصلاح ليس دافعُه بعون الله وهدايته إلا خشيةُ الرحمن بالغيب: {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} [الحديد: 25].

 

                        الخطبة الثانية:

عباد الله: إن من أعظم أسباب ضعف الإيمان بالغيب هو التعلق بالمادة، والانشغال بالدنيا، وهجر كتاب الله تعالى تلاوة وتدبرًا وتفقهًا وعملاً، والافتتان بما يسمى بالوسائل الحديثة للاتصال والتواصل الاجتماعي، فصار أكبر همِّ الناس تبادل الأخبار والمعلومات عن الماديَّات وما يتعلق بها من أحوال وتغيرات وتقلبات، وقد اجتاح هذا المرض ـ مرض الغفلة والتعلق بالمادة ـ أكثر المسلمين، حتى كثيرًا من طلبة العلم والدعاة، فصارت قلوبهم متعلقة بغير الله عزَّ وجلَّ، وضعفت صلتهم وقلَّت عنايتهم بالكتاب والسنة، وصاروا يتفاخرون بقراءة كتب الفلسفة والفكر المادي الغربي، يستشهدون بها، ويحتجون بأقوال أهلها، أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}. وتأملوا عباد الله الآية التي جاءت بعد هذه الآية وهي من سورة الروم: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

نعم ـ يا عباد الله ـ هذا حال عُبَّاد الدنيا، وعبيد المادَّة، الذين انغمسوا فيها، فهم كما قال ربنا: {الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}، لهذا السبب ينكرون كلَّ ما وراء الحسِّ والمشاهدة، استكبارًا وغرورًا، لهذا لا يستفيدون من الآيات والحجج مهما كثرت وترادفتْ، حتَّى لو كشف الله تعالى لهم حجاب الغيب لما آمنوا: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}.

أيها المؤمنون: وإن من مظاهر ضعف الإيمان بالغيب أو عدمِها: الاعتراض على نصوص الكتاب والسنة بالردِّ أو التأويل أو مخالفتها بتتبع التفسيرات الشاذة وزلات العلماء، والمؤمن الحقُّ يقابل خبر الله تعالى ورسوله بالتصديق، ويقبل أمرهما بالامتثال والطاعة. وهذا هو حقيقة الدين وجماع أمره: التصديق بالخبر والامتثال بالأمر، ولسان مقاله وحاله يقول: صدق الله وكذب أهل العقول القاصرة والأفكار الفاسدة والمذاهب المادية المنحرفة، مستحضرًا ذلك الحديث الجليل الذي رواه مسلم في صحيحه: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ. فقال: (اسقه عسلًا). فسقاه، ثم جاء فقال: يا رسول الله قد سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسقه عسلًا). فسقاه، ثم جاءه فقال: يا رسول الله قد سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا)، فسقاه عسلًا فبَرِأ.

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد