موقع الشيخ عبد الحق التركماني - فاعلم أنه لا إله إلا الله – 1

/ 18 مايو 2021

للتواصل 00447432020200

فاعلم أنه لا إله إلا الله – 1

نشرت بواسطة : إدارة الموقع تاريخ غير محدد 123

عباد الله: تعالوا اليوم نتأمل في آية جامعة من آيات الكتاب العزيز، الذي فيه الهدى والرشاد، والفلاح والنجاة، يقول ربنا سبحانه في سورة محمد: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}. هذه الآية أمرٌ لنبيِّنا الكريم، وإذا كان أمرًا لرسول رب العالمين، الذي يأتيه الوحيُ بالحقِّ المبين؛ فكلُّ من جاء بعد من المسلمن؛ أولى بهذا الأمر، وأحقُّ أن يمتثلوا له، ويقوموا بحقِّه.

{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} بدأ الله أمره بالعلم، فالعلم قبل القول والعمل، العلمُ هو الذي ينقذ النفوس من الجهالة، ويُذهب عن العقول الغي والضلالة، ويخرج القلوب من الضيق والحيرة، يخرجها من الظلمات إلى النور، ويهديها إلى صراط مستقيم. فالعلم أصل لكل عمل صالح، العلم أصل لكل خير وهدى واستقامة وسعادة. لهذا كان للعلم منزلةٌ رفيعة، ومكانة جليلة، فهو ميراث النبوة، كما قال رسول الله: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وأورثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ).

وأول العلم وأولاه، وأوجبه وأفرضه، وأهمه وأجله: هو العلم {بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فتعلمَ بربوبيته: بأنه المتفرد بالخلق والملك والتصرف والتدبير، وتعلم أنه متصف بصفات الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله الأسماء الحسنى، والصفات العليا، والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة. فإذا علمتَ بذلك: كانت نتيجة ذلك اللازمة: أن تتوجه إليه بالعبادة، وتفرده بالقصد والتوجُّه والإخلاص، تحقيقًا لهذه الكلمة الطيبة: (لا إله إلا الله) فلا معبود بحقٍّ إلا الله، كما أنه لا خالق غيره، ولا ربَّ سواه. وتحقيق العبودية لله: تستلزم خضوع القلب واللسان والجوارح، فهي نية وإخلاص وقول وعمل. فالعلم لا بد فيه من إقرارِ القلب، ولا بدَّ من معرفة القلب بمعنى ما طُلِب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه. وهذا العلم الذي أمر الله به، وهو العلم بتوحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، فرض عين على كلِّ إنسان، لا يسقط عن أحدٍ كائنًا من كان، بل كلٌّ مضطر إلى ذلك.

عباد الله: إن منهج الإسلام في العلم بأنه لا إله إلا الله؛ منهج سهل يسير، موافق للعقول الصحيحة، والفطر السليمة، ليس فيه تكلُّف ولا تعمق ولا فلسفة. فقد دلَّ القرآن العظيمُ على هذا العلم الجليل، العلم بالله تعالى وبتوحيده وإجلاله وتعظيمه من طرق متنوعة، ودلائل كثيرة:

أحدها بل أعظمها: تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلالته؛ فإنها توجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال، والقرآن مليء بالآيات الدالة على أسمائه الحسنى، وآثارها في الخلق والكون والتدبير، {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فالأسماء الحسنى والصفات العلا مقتضية لآثارها من العبودية والأمر، اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين،

فعلم العبد بتفرد الربِّ تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة، يثمر له عبودية التوكُّل عليه باطنًا ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا. وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضى الله. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته، توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة. وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها، وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها ارتباط الخلق بها، لهذا أمرنا الله تعالى أن ندعوه بأسمائه ونتوسَّل إليه بصفاته، مقرِّين بمعانيها، عالمين بدلالاتها وآثارها: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية، كما قال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون}.

الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.

الرابع: ما أظهره الله تعالى من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، كما نصر الله تعالى نبيَّه وصحابته الكرام، ومكَّن لدينه، وأظهره بين العالمين، وأعجز الكفار والمشركين عن القضاء عليه، بل حتى محاصرته والتضييق عليه؛ فإن هذا داعٍ إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحقُّ للعبادة كلها، لأنَّ دينه حقٌّ، ونبيَّه حقٌّ، وكتابَه، حقٌّ، ووعدَه صِدق.

الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عُبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضَرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا هو وبطلان إلهية ما سواه، كما أخبر الله تعالى في قصَّة إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}.

السادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه، فالبشرية في تاريخها عرفت أنبياء الله ورسله، وعلمت أنهم دعوا إلى عبادة الله وطاعته، ورغم ما أصاب الكتب السابقة من التحريف والتبديل فلا يزال فيها شيء من نور التوحيد، ففي أول الوصايا العشر في التوراة: (أنا هو الرّب إلهك، لا يكون لك إله غيري، لا تحلف باسم الله بالباطل). وفي إنجيل مرقس: إنه لما سُئل نبي الله عيسى عليه السلام عن الوصية قال: (إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك). ومصداق هذا في كتاب الله الخاتم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.

السابع: أن الرسل والأنبياء والعلماء الربانيين الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا ورأيًا وصوابًا وعلمًا، قد شهدوا لله بالتوحيد وأذعنوا له بالعبودية وسابقوا في طاعته وابتغاء مرضاته: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

الخطبة الثانية:

ومن تلك الأمور الدالة على أنه لا إله إلا الله: ما أقامه الله من الأدلة والبراهين في الآفاق والأنفس التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه. وهذا هو منهج القرآن في إثبات وجود الله وربوبيته وخلقه وقدرته، وما يلزم من ذلك من توحيده بالعبادة، إنه منهج عقلي وفطري، يدركه كلُّ أحد، ويصل إليه كلُّ عاقل، فآيات الله ظاهرة باهرة في خلقه، كما قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وقال:  {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، فهذا حال العقلاء في معرفة ربهم، وإن من الجنون والسفه: أن يترك الإنسان هذه الآيات الظاهرة الباهرة فيتكلَّف عن البحث عن دليل على وجود الله في المختبر أو حادثة غريبة أو ظاهرة عجيبة، الله سبحانه أجلُّ من ذلك وأعظم، ودلائل توحيده أظهر وأفخم:

فيا عجبا كيف يعصي الإله = أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية = تدل على أنه واحد

فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله، وأبداها في كتابه وأعادها: عند تأمل العبد في بعضها لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك، فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت، وقامت أدلة التوحيد من كل جانب، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد، بحيث يكون كالجبال الرواسي، لا تزلزله الشبه والخيالات، ولا يزداد على تكرر الباطل والشبه إلا نموًّا وكمالًا.

فيا عباد الله، يا إخوة الإيمان والإسلام: تدبَّروا كتاب الله، وتأملوا في آياته، واحرصوا على العلم بمعانيها، وفهم مقاصدها ودلائلها، واستعينوا بذلك بكتب التفسير لأئمة الإسلام الثقات، ومن أنفعها وأجلها في هذا الباب: تفسير العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله، تفسير السعدي: فيه الدلالة على الجوانب الإيمانية والتربوية في كتاب الله عز وجل، بلغة سهلة، ومعانٍ قريبة. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد