موقع الشيخ عبد الحق التركماني - أهمية العقيدة 1

/ 17 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

أهمية العقيدة 1

نشرت بواسطة : إدارة الموقع تاريخ غير محدد 74

عباد الله: لقد قال نبينا الكريم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). خ م. والمضغة هي القطعة من اللحم، سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها، فالمراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، لكنه أصل لصلاحه أو فساده، ذلك لأن القلب هو محل العلوم والاعتقادات، ومنبع المقاصد والنيات، ومحرِّك التوجهات والإرادات، والجسد وأعضاؤه تبع لذلك، فإذا صلَح الأصل بصلاح ما يحويه ويضمه ضلَت الفروع والنتائج والثمار.

إخوة الإيمان: إن هذا الحديث دليل من الأدلة الكثيرة على ضرورة تصحيح العقيدة، والعناية بها، وجعلها محط الاهتمام والرعاية، أكثر من الاهتمام بالأقوال والأفعال، لأن القلب إذا احتوى على عقيدة صحيحة صافية نقية، ثابتة قوية، فكل ما بني عليها يكون بعون الله وتوفيقه سهلاً يسيرًا، طيبًا مباركًا.

لهذا بدأ النبي دعوته بتصحيح عقائد الناس وبنائها على أصل صحيح: أصل التوحيد لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى. فلما رسخ التوحيد في قلوب أصحابه، وثبت الإيمان في أعماقهم، وصدقت نياتهم ومقاصدهم، سهل عليهم الانقياد والطاعة لله ولرسوله، فبادروا إلى الأعمال الصالحة بقلوب مؤمنة ونفوس مطمئنة راغبة بما عند الله من حسن الثواب والجزاء. فالهدف واضح، والغاية جلية بينة كما قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).

فعلموا أن الله لا يقبل عملاً من العبد وإن كان صالحًا إلا إذا كان عن عقيدة صحيحة، ونية خالصة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}، وأما الكفار المعرضين عن الإيمان فإن عملهم كما وصف الله تعالى بقوله: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد}.

فلما استقامت عقيدة أصحاب رسول الله، وطهرت قلوبهم من الشرك وآثاره، وعمرت بالإيمان والإخلاص والصدق، اجتمعت تلك  النفوس الطيبة على المحبة والألفة والتعاون على البر والتقوى ونبذ الشرك والضلال والظلم والفواحش ما ظهر منها وما بطن، فسعوا في نشر التوحيد والعدل والحق والخير بين الناس، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقال : (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فلا يخفى ما كان عليه العرب قبل الإسلام من تفرق وعداوة وبغضاء وحروب طاحنة، وحياة بلا أهداف، فجاءت هذه العقيدة فصنعت منهم في سنوات قلائل أعظم أمة على وجه الأرض، وصاروا رعاة أمم بعد أن كانوا رعاة غنم، لأن تلك العقيدة الصافية النقية التي رباهم عليها رسول الله حملتهم على إفراد الله تعالى بالتوجه إليه في جميع الأمور، والتخلي عن حظوظ النفس والتنافس على الدنيا، وجعلتهم أحرارًا من كل شرك وخرافة وضلالة وجهالة وعبودية للصنم والشجر والحجر والبشر، فهم عبيد لله الواحد وحده لا شريك له، فصغرت بذلك في عيونهم جميع المعبودات من دون الله، وصغرت العبودية للمادة والانقياد للشهوات، فإن العقيدة ما إن تتمكن من قلب المسلم حتى تطرد منه الخوف إلا من الله تعالى، والذل إلا لله، وهذا التحرر من العبودية لغير الله تعالى هو الذي جعل جنديًّا من جنود الإسلام وهو ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما ذهب لملك الفرس حين سأله عن سبب مجيئهم أن يقول له: (لقد جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العالمين ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

عباد الله: إن السبب الحقيقي، والأصل الكلي لكل ما يعاني منه المسلمون اليوم من تضييع لأوامر الله، وارتكاب للمعاصي، وانحراف في السلوك، وفساد في الأخلاق، وتفرق وعداوة، وضعف وهوان، وتسلط للأعداء؛ كل ذلك سببه وأصله ومنبعه: مما فيهم من خلل في التوحيد وانحراف في العقيدة واختلاف في أصول الدين. فلا صلاح لهم، ولا أمل في إصلاحهم إلا بتصحيح العقيدة أولاً، وتحقيق التوحيد لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، والبدء بما بدء به النبي في دعوته عامة وفي تربيته لأصحابه خاصة. إن القرآن الكريم والسنة النبوية صريحان وواضحان في أن صلاح الأعمال واستقامة الأخلاق لا يكونان إلا بالاعتقاد الصحيح والتوحيد الخالص لله تعالى. وقد سأل رجل رسول الله: ما تزكية النفس؟ فقال: (أنْ يعلم أن الله عز وجل معه حيث كان). فانظروا ـ رعاكم الله ـ كيف ربط النبي تزكية النفس بأصل من أصول الاعتقاد: وهو أن يعلم المسلم ويستحضر دائمًا: أن الله قد أحاط بعلمه بكل مكان وزمان وحال، وإن كان ربنا سبحانه على عرشه في جهة العلو المطلق، لكن لا تخفى عليه خافية: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} الطلاق.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد