موقع الشيخ عبد الحق التركماني - خطر تصدر الجهلة والأصاغر للدعوة والتعليم

/ 17 يناير 2021

للتواصل 00447432020200

خطر تصدر الجهلة والأصاغر للدعوة والتعليم

نشرت بواسطة : إدارة الموقع تاريخ غير محدد 83

إن الله لم يخلقنا عبثًا ولا تركنا هملاً: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

بل خلقنا لعبادته، وأمرنا بطاعته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).. والعبادة لا يمكن القيام بها إلا بالعلم بما أوجب الله الإيمان به، وأمر بفعله أو نهى عنه، لهذا أرسل إلينا رسوله ليعلمنا دينه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). فكان رسول الله خير أول معلم لهذه الأمة وخير معلم لها، وأعظم داع إلى الله بالعلم والفقه والبصيرة: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وكان يقول: (إن الله بعثني معلما ميسرًا). ثم لما انتقل رسول الله إلى جوار ربه، قام العلماء من بعده من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، قاموا مقامه في أمته بالدعوة إلى الله تعالى وتعليم الجاهل وهداية الضال، فهم ورثته وحملة رسالته، كما قال: (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وافر) د ت.

لهذا كان العلماء هم أولي الأمر في الأمة، يتعلم الناس منهم أمور دينهم، ويرجعون إليهم في الملمات والنوازل، ويصدرون عن رأيهم، ويقتدون بحسن سيرتهم وسلوكهم، فوجودهم من أسباب الخير والبركة، وموتهم من أسباب الشر والفتنة، فإذا ذهبوا ذهب العلم وأقبل الجهل، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويُبثُّ الجهل، وتشرب الخمر، ويظهر الزنا) رواه البخاري و مسلم، ولهما عن ابن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما قالا: قال النبي: (إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ لأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ).

وكيف يكون رفع العلم ونسيانه، إنه يكون بموت أهل العلم وغربة أهله، كما بيَّن ذلك النبي فقال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهّالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) خ م.

ولا شكَّ أن قلة العلماء، وانتشار الجهل بأمر الدين، وتصدُّر الجهال للدعوة والإفتاء أمر مشاهد ظاهر في هذا العصر، خاصة بعد انتشار وتيسر وسائل الدعاية والاتصال.

عباد الله: ليس المقصود أن من يتكلم في أمر الدعوة لا بد أن يكون عالمًا، بلغ مبلغ العلماء في الفقه بالدين، فهذا أمر متعذر، كما الدعوة إلى الله ونشر العلم واجب على كل مسلم بحسب علمه واستطاعته في بيته ومحل عمله وبين أهله وأصحابه وجيرانه.. لكن المقصود أن من تصدر للدعوة وتحمل مسؤولية التعليم والتوجيه لا بدَّ أن يكون لديه أساس قوي من العلم الصحيح، وذلك بأن يكون طَلَب العلم على أيدي العلماء، وصارت لديه حصيلة ومعرفة جيدة، ورشَّحه أهل العلم للقيام بالدعوة والتصدر للخطابة والتدريس، أما أن يأتي من لم يطلب العلم على أيدي العلماء وطلبة العلم بل من لم يطلب العلم أصلاً؛ يأتي الجاهل فيتصدر للدعوة وتوجيه الشباب والكلام في وسائل الإعلام، فلا شك أن هذه مصيبة كبرى، وهو من علامات الساعة، وسبب لأن يضل هذا الشخص في نفسه، ويكون سببًا لضلال غيره كما أخبر رسول الله: (فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

عباد الله: هل يقبل أحد منكم أن يُسلِم بدنه إلى من يدعي أنه طبيب لكنه لا يحمل إجازة في الطب؟ لا شك أنه لا يقبل أحد منكم ذلك.. بل إنكم إذا ذهبتم إلى المستشفى ووجدتم طالبًا أوشك أن يتم دراسته يتدرب تحت إشراف أساتذته، فإنكم لا ترضون أن يباشر معالجتكم، ولا تثقون برأيه ولا تشخيصه، هذا وهو قد درس الطب أكثر من أربع سنوات...

عباد الله! هذا الحرص والتحري منا في علم الأبدان، فكيف بعلم الأديان لا بد من مزيد من الحرص والتحري والسؤال بحيث لا يثق المسلم في أمر دينه إلا في أهل العلم الثقات وطلبة العلم النجباء... كما قال التابعي الجليل محمد بن سيرين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخدون دينهم).

وقال العالم الفقيه التابعي الإمام عبد الله بن عون: (لا تأخذوا العلم إلا من شُهد له بالطلب).يعني... لهذا قال أبو بكر ابن العربي: (فما زال السلف يزكون بعضهم بعضًا ويتوارثون التزكيات خلفًا عن سلف، وكان علماؤنا لا يأخذون العلم إلا ممن زُكِّيَ وأخذ الإجازة من أشياخه). وقال النووي رحمه الله: (ولا يتعلم إلا ممن كملت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته فقد قال محمد بن سيرين و مالك بن أنس و غيرهما من السلف: (هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم).

عباد الله! لا شك أن المسلمين في السويد خصوصًا وفي أوربا عمومًا يفتقدون إلى العلماء الربانيين الذين يوجهون الدعوة ويربون الناس، وطلبة العلم قلة قليلة، والمجال مفتوح لكل أحد أن يؤسس الجمعيات ويفتح المساجد ويتكلم باسم الإسلام، فلهذه الأسباب وغيرها تصدَّر للدعوة كثيرٌ من الجهلة وأغلبهم من الشباب الصغار، فصاروا خطباء ومحاضرين ومدرسين، مع أن الواجب عليهم أن يكونوا تلاميذ وطلبة يجلسون في الصفوف الدراسية وفي حلقات العلم في المساجد ليتعلموا أصول الدين وفروعه.

واستغلت وسائل الإعلام حب هؤلاء للظهور في تشويه سمعة الإسلام والمسلمين وذلك بتسليط الضوء عليهم ونشر أفكارهم المنحرفة...  فالواجب نصيحة هؤلاء الشباب الأغرار، وتحذيرهم من مغبة أفعالهم، وتذكيرهم بمثل قول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).. وأن تصدرهم هذا: من هوى النفس، وألاعيب الشيطان، وتضييع للأمانة، وإساءة للجالية الإسلامية.

كما أن الواجب على القائمين بالدعوة من طلبة العلم والمسؤولين عن المساجد والمراكز الإسلامية من طلبة العلم دراسة هذه الظاهرة والبحث عن العلاج والحلول المناسبة.

والواجب على أولياء الأمور متابعة تربية أولادهم، والحذر من إسناد توجيههم وتعليمهم إلى من ليسوا أهلاً لذلك فيكونوا سببًا لضلالهم وضياعهم.

شاركنا بتعليق

  • لا يوجد تعليقات بعد